ما كان بين أهل مكة من تحالفات أخرى كثيرة ؛ إذ جاء رجل غريب وباع تجارته في مكة لرجل من أهلها يسمّى « عاص بن وائل » الذي كان من أشراف مكة المتغطرسين دون أن يعطيه ثمن ما اشتراه . وكلّما قصد الرجل واحدا من أهل مكة عجز عن مساعدته في أخذ حقّه . فوقف على جبل أبي قبيس وصاح قائلا : يا أبناء فهر ، لقد ظلمت ! فلمّا سمع الرسول صلّى اللّه عليه وآله هو وعمّه الزبير بن عبد المطلب استغاثة المظلوم إنضمّا إلى الجمع الذي قرر نصرته والدفاع عنه كي يستعيد حقّه ، فذهبوا إلى عاص بن وائل وطالبوه بمال الرجل ، فخشيء بطشهم وأعطى للرجل ماله .
وظلّ هذا الحلف قائما ، إذ قرر أعضاؤه نصرة كل غريب يعتدي عليه أهل مكة - الذين كانوا غالبا ما يظلمون الغرباء من غير أهل مكة - والدفاع عنه حتى أخذ حقّه .
وحتى بعد مجيء الإسلام بسنوات طويلة كان الرسول صلّى اللّه عليه وآله يقول إنني ما زلت أعتبر نفسي ملتزما بذلك الحلف .
حلم النبي صلّى اللّه عليه وآله
وكم كان يعامل أعداءه المقهورين بسلوك لم يكونوا قادرين على فهمه وإدراكه ؛ ففي السنة الثامنة للهجرة ، وعندما دخل النبي صلّى اللّه عليه وآله مكة فاتحا بكل عظمة واقتدار فإنه
هامش
- إليه لأجبت . واجتمع بنو عبد الدار وبنو مخزوم وسهم وجمح وبنو عدي بن كعب فتحالفوا فسموا الأحلاف .
وجعل النبي صلّى اللّه عليه وآله المطيبين تبعا لخزاعة ولعله لسبق خزاعة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قبلهم ، والسابق من سبق إلى الدين ، والقريب من وصله الإسلام ، قال شيخ الأباطح أبو طالب رحمة اللّه عليه في وصيته لقريش : « كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته ، وعظموا أمره ، فخاض بهم غمرات الموت فصارت رؤساء قريش أذنابا ، ودورها خرابا وضعفاؤها أربابا » .
( مكاتيب الرسول - الأحمدي الميانجي : 3 / 133 .