فإذا علم اللّه سبحانه - وعلمه أزليّ قبل خلق الأشياء - من عبد أنّه لا يريد سوى الطاعة والعبادة والطهارة من الرجس والدنس ، فلا محالة أن يعطيه ذلك ويهيئ له جميع الأسباب كما هو مقتضى وعده وما كتبه على نفسه ، ولا بدّ أن تتعلّق إرادته التكوينية بذلك ، تمكينا للعبد من تحقيق ما يريده ، ولا يعني هذا أيّ جبر لذلك الإنسان في تحقيق مراده ، بل يبقى العبد مختارا مريدا ، قد استجابت المشيئة الإلهية لما اختاره وأراده .
وبالعكس فيما لو علم من شخص آخر أنّه لا يريد سوى التمرّد والجحود والكفر والعصيان ، والخروج عن حبل الطاعة ، فلا يمنعه من ذلك ، بل يعطيه كلّ ما يريد تحقيقا لرغباته ، كما أنّ الإرادة الإلهية التكوينية أيضا تتعلّق بتلكم الأفعال ، فيصحّ أن يقال : إنّما يريد اللّه أن يكون فلان هكذا . . . وهذا أيضا لا يعني الجبر على المعصية ، بل شاء إنسان باختياره هو وإرادته أن لا يستجيب لأوامر اللّه تعالى ، فشاءت إرادة اللّه تحقيق ما اختاره ذلك الإنسان .
ومن ثمّ يتّضح لنا أنّ إرادة اللّه التكوينية التي لا تتخلّف عن المراد ، لا تتنافى مع اختيار الإنسان ، وإن كانت جميع أفعال الإنسان مخلوقة للّه تعالى ، لكنّها مخلوقة وفق ما يريده الإنسان ويختاره .
وهذا المعنى هو الذي ذكره « أكثر الأصحاب وعوّلوا عليه في هذا الباب ، وهو أنّ ذلك - أي أخبار الطينة المتقدّمة - منزّل على العلم الإلهي ، فإنّه تعالى لمّا خلق الأرواح كلّها قابلة للخير والشرّ
إِنَّا هَدَيْناهُ