وقد بيّنت الرواية الشريفة أنّ الأمر الإلهي قد صدر إلى العقل بالإدبار والإقبال فاستجاب ، وذلك قوله عليه السلام : « فقال له أدبر فأدبر ثمّ قال له أقبل فأقبل » أي أنزل من عندي إلى عالم الملك والمادة ، وهو قوله تعالى والله العالم
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
« 1 » أي أرجعناه إلى عالم المادّة والطبيعة ، وحين يخرج الإنسان من بطن امّه فإنّه لا يعلم شيئاً
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
« 2 » ثمّ بعد ذلك يأمره سبحانه بالإقبال والصعود والارتقاء إليه مرّة ثانية من خلال تحصيل العلم والعمل الصالح
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
« 3 » .
أمّا الجهل فقد استجاب للإدبار والنزول
إلى عالم الملك والمادّة والطبيعة ولكنّه لاستكباره رفض الإقبال والصعود والارتقاء مرّة ثانية ، فلعنه الله تبارك وتعالى .
فالنزول وإن كان نزولًا بدون اختيار إلّا أنّ الصعود صعود باختيار الإنسان وباستخدام عقله ، وعليه يثاب ، وبجهله يبقى في أسفل السافلين ويستحقّ العقاب .
ومن الواضح أنّ الجهل في هذه الرواية الشريفة أمر وجودي لا عدمي كما هو معروف في علم المنطق إذ عرّفوه بأنّه « عدم العلم » ولو كان
هامش
( 1 ) ( ) التين : 5 .
( 2 ) ( ) النحل : 78 .
( 3 ) ( ) فاطر : 10 .