ناظِرَةٌ
« 1 »
* وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ
« 2 » .
لا إشكال ولا ريب في أنّ الإنسان الاعتيادي لا يتحرّك عن طريق محض الإيمان العقلي بالحسن والقبح إلّا في نطاق ضيّق جدا ، فإنّ الإنسان بطبيعته كسول ميّال للدعة والراحة ، وهو يطلب - عادة - أجرا على ما يقوم به من عمل خير أو ترك شرّ ، ويكون للذّته وألمه الحظّ الكبير لتحرّكه .
وبكلمة أخرى : إنّ الإنسان لو كان لا يملك ميولا وشهوات وعواطف خاصّة ، وغرائز تجرّه في كثير من الأحيان إلى القبيح وترك الحسن ، لكانت تربيته خلقيّا سهلا . ولعلّه كان نفس التفاته العقلي إلى الحسن والقبح كافيا في اعتناقه للأخلاق الفاضلة ، ولكن أساس صعوبة التربية الأخلاقيّة يكمن في أنّ الإنسان يملك ميولا وشهوات لها الحظّ الأوفر للتحريك . فيا ترى هل بالإمكان جعل الإنسان يقف تجاه هذه المحرّكات والمغريات العظيمة بمجرد الإيمان العقلي بحسن الحسن وقبح القبيح ؟ ! كلّا . وهذه المشكلة الأساسيّة بحاجة إلى حلّ أساس وجذري .
ومن حلول الإسلام لذلك جعل قوانين ونظم لو طبّقت للبّت تلك الميول والغرائز بقدر واسع من دون أن تقع الحاجة إلى ما هو غير نظيف خلقيّا . وهذا الحلّ يكون على وفق الفطرة التي فطر الناس عليها .
إلّا أنّ هذا الحلّ - إضافة إلى أنّه لو كان وحده كان ناقصا ؛ لأنّ جموح الإنسان وطغيان شهواته قد يجعله لا يكتفي بالقدر النظيف ، ويحاول أن يمدّ يده إلى غير النظيف - إنّما هو حلّ يتحقّق بعد تطبيق الإسلام بحذافيره على المجتمع . أمّا المنطقة التي لم يطبّق فيها الإسلام ونظمه فيها بالتمام والكمال ، فمن الواضح أنّه لا يكفي مجرّد فرض أن لو طبّق لوفى بتلبية الحاجات للتربية ؛ فإنّ أكثر الناس
هامش
( 1 ) كأنّها تشير إلى النعمة المعنويّة ، وهي : النظر إلى الربّ بالبصيرة لا بالباصرة .
( 2 ) السورة 75 ، القيامة ، الآيات : 20 - 25 .