3 - إنّه لو وقع التزاحم بين قبيح في أقلّ مراتب الحرمة وحسن غير بالغ مرتبة الوجوب ، لزم أن يجوز ارتكاب ذاك القبيح ، وتنتفي حرمته ؛ وذلك لأنّه سيتنزّل عن قبحه ولو جزئيّا بالمزاحمة مع الحسن ، وبهذا التنزّل يخرج من حريم الحرمة ؛ لأنّنا كنّا قد فرضناه في المراتب الدنيا من الحرمة .
مثال ذلك :
ما لو كان كشف سرّ مختصر عن أمر له ألف طرف يؤدّي إلى الإضرار بواحد منهم إضرارا خفيفا ، وفي نفس الوقت يؤدّي إلى نفع تسع مئة وتسعة وتسعين نسمة نفعا كبيرا ، فكانوا راضين بكشف السرّ ، ولم يكن تحقيق هذا النفع واجبا علينا ، فيا ترى هل يصبح كشف السرّ هذا جائزا عقلا ، ولا نكون ملزمين أمام ذاك الواحد ؛ لأجل أنّه استلزم نفع كثير من الناس ممّا لم يكن واجبا ؟ ! كلّا إنّ ضميرنا لا يدلّ على ذلك . وكذلك ضرب يتيم ضربة ضعيفة لا يبكي منها إلّا دقائق موجبا لنفع آخرين نفعا هائلا في غير ما يكون واصلا حدّ الوجوب كإنجاء النفس من الهلكة مثلا ، فهل يجوز ظلم هذا اليتيم باقلّ ظلم في سبيل إدخال نفع هائل في جيب آخرين والذي لولا استيجابه لظلم اليتيم لكان من أفضل الأعمال غير الواجبة ؟ ! كلّا .
وعليه فلننتقل إلى تفسير ثان للوجوب والاستحباب ، أو للحرمة والكراهة في باب الفضائل والرذائل العقليتين ، وهو : أن نفترض للفضائل والرذائل سلّمين متباينين بدلا عمّا مضى من افتراض سلّم واحد لها جميعا ، فهناك سلّم للفضائل ، وهي : ما يكون فعلها حسنا ، وسلم آخر للرذائل ، وهي : ما يكون فعلها قبيحا . وهما سلّمان متوازيان لا يلتقيان ، ولا يستلزم حسن الشيء قبح نقيضه وبالعكس .
ونفترض الفرق بين الوجوب والاستحباب فرق درجة ، وكذلك الفرق بين الحرمة والكراهة .
تزكية النفس — صفحة 45
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٥