وصحيحا ، بل العواطف والشهوات والميولات النفسيّة كلّها ممّا يصدر الحكم في نفس الإنسان ، بمعنى تأثيره في تحديد إرادة الإنسان وشوقه . وما أكثر من يعرف الحقّ أو الخير أو الصلاح ويخالفه ، ومن يعلم الشرّ أو المفسدة ويرتكبه .
على أنّه لو كان مقصود صاحب هذا الكلام جعل مقياس وضابط يرجع إليه في مقام تمييز الفضيلة عن الرذيلة ، قلنا : لا يمكن جعل الضابط عبارة عن العلم - حتّى لو آمنّا بالجانبين السلبي والإيجابي - بل الضابط بهذا المعنى يجب أن يكون شيئا آخر ؛ لأنّ الضابط المميّز هو الذي يورث العلم بالخيريّة أو الشرّيّة ، فلا يمكن أن يكون هو نفس العلم .
الكلمة الثانية : ما اشتهر بينهم : من أنّ أصول الفضائل أربعة : الحكمة ، والعفّة ، والشّجاعة ، والعدل ، وبياناتهم في حصر أصول الفضائل مختلفة :
فمنها : ما نقل عن أفلاطون تلميذ سقراط : من أنّ في الإنسان قوى ثلاث :
العاقلة ، وهذه إذا اعتدلت نشأت عنها فضيلة الحكمة .
والقوّة الغضبيّة ، وهذه إذا اعتدلت نشأت عنها الشّجاعة .
والقوّة الشهويّة أو البهيميّة ، وهذه إذا اعتدلت نشأت عنها العفّة . وهذه الفضائل الثلاث باعتدالها ينشأ عنها العدل ، فالعدل تتّصف به النفس عند أداء هذه القوى الثلاث وظائفها باعتدال وعندما تكون متساندة بحيث تتعاون كلّ قوّة مع الأخرى « 1 » .
ومنها : أنّ النفس ذات قوى أربع : العاقلة ، والعاملة ، والشهويّة والغضبيّة . وتنشأ الفضيلة من إطاعة القوى الثلاث الأخيرة للأولى ، فبإطاعة القوّة العاملة للعاقلة واعتدالها تحصل الحكمة ، وبإطاعة القوّة الشهويّة لها واعتدالها تحصل العفّة ، وبإطاعة القوّة الغضبيّة لها واعتدالها تحصل الشّجاعة . ثمّ تحصل من حصول هذه
هامش
( 1 ) منقول عن كتاب الأخلاق : 196 .