يختار الصدق إن لم توجد له أدنى فائدة في الكذب . وهذا شاهد على أنّه يدرك حسن الصدق وقبح الكذب ، فهذا إدراك ناشئ من حاقّ النفس ؛ لعدم وجود مؤثّرات خارجيّة حسب الفرض .
وبكلمة أخرى : إنّ الإنسان الذي ينمو ويترعرع بعيدا عن كلّ المؤثّرات الخارجيّة - حسب الفرض - لو سألناه عن شيء وقرّر أن يجيب عن سؤالنا فهو بطبعه الأوّلي يجنح إلى الصدق لا الكذب . فهذا ليس على أساس المؤثّرات الخارجيّة ، ولا على أساس حبّ الذات ؛ إذ هو لا يعلم أنّ الصدق نافع والكذب ضار حتّى يدفعه حبّ الذات إلى ذلك .
والجواب :
أوّلا : أنّ هذا الميل إلى الصدق قد يكون بنفسه طبعا وغريزة ، أو أنّ أوّل وأشدّ ما يجلب ذهن المخبر إلى نفسه هو الواقع الذي علمه ، لا خلافه ، ولا يكون هذا راجعا إلى باب الإدراك أصلا ؛ ولذا نرى أنّ حالة الصدق موجودة لدى الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا بعد مبلغا يدركون قبح الكذب أو حسن الصدق .
وثانيا : لو غضضنا النظر عن الميل الطبيعيّ والغريزيّ إلى الصدق ، أو كون الواقع المعلوم أكثر جلبا للنظر من خلافه مثلا ، فمن أين لنا العلم بأنّ هذا الشخص الذي فرضنا أنّه عاش منفردا وترعرع منفردا يجنح إلى الصدق لا الكذب ؟ ! فإنّ هذه الفرضيّة لم نجرّبها خارجا ، ولو علمنا بذلك عن طريق إيماننا بحسن الصدق وقبح الكذب ، أو عن طريق إيماننا بغريزيّة الصدق مثلا فأيّ فائدة تترتّب على افتراض هذه الفرضيّة ؟ !
والواقع : أنّ حقّانيّة الإدراك العمليّ لا يمكن أن تثبت ببرهان ، ولا أن تردّ ببرهان ، وإنّما الأمر الممكن هو تنبيه الوجدان بذكر بعض الأمثلة الواضحة ، من
تزكية النفس — صفحة 31
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣١