على أساس شبهة حصلت للمخالف غطّت إدراكه النابع من حاقّ نفسه ، وقد يكون - بغضّ النظر عن فرض عروض شبهة - غير قادر على إدراك ما أدركه غيره بالبداهة ؛ لأنّ البشر المتمتع بشيء من التكامل في الإدراك وفق الحركة الجوهريّة ليسوا سواء في ذلك ، بل هم مختلفون في الاستعداد والإدراك ، فلو أدرك أحد شيئا ولم يدرك الآخر لم يكن ذلك مساوقا ؛ لفرض أنّ إدراك المدرك ناشئ من تدخل أمور خارجيّة : كالعادة والشهرة وغير نابع من حاقّ نفسه .
وفي مقابل هذا البرهان الذي أفاده المحقّق الإصفهاني رحمه اللّه لنفي إدراك واقعيّة الحسن والقبح وحقّانيتهما على مستوى الواقع ، لا على مستوى مجرّد تطابق العقلاء ، يوجد برهان معاكس قد يبرهن به على واقعيّة الحسن والقبح وحقّانيّتهما .
وهذا البرهان يأتلف من مقدّمتين :
الأولى : أنّ المعارف الناشئة من حاقّ النفس تصيب الواقع ولا تخطأ ، ومن هنا كانت الضروريّات - على حدّ تعبير علم الميزان - مضمونة الحقّانيّة ؛ إذ نشأ فهمها من حاقّ النفس البشريّة ، لا بتأثّر من أمر خارجيّ : كعرف ، أو عادة وقانون ، أو بناء المجتمع ، أو العقلاء ، أو ما إلى ذلك .
أمّا المعارف الناشئة بمعونة هذه المؤثّرات الخارجيّة ونحوها ، فليست مضمونة الواقعيّة والحقّانيّة ؛ لأنّ هذه المؤثّرات الخارجيّة ربّما لا تصيب الواقع .
والثانية : أنّ كثيرا من قضايا الحسن والقبح والأحكام الخلقيّة ناشئة من حاقّ النفس ؛ والذي يشهد لنشوئها من حاقّ النفس البشريّة تطابق الناس عليها عادة وغالبا ، برغم اختلافهم في البيئات والظروف والعادات وما إلى ذلك . فلو كانت ناشئة من البيئات والملابسات الخارجيّة لاختلفت باختلاف الناس .
نعم ، نحن نحسّ بوقوع الخلاف في القضايا الخلقيّة في ثلاثة موارد ، وكلّها لا تضرّ بما شرحناه : من أنّ إطباق النفوس على درك قضايا خلقيّة دليل على
تزكية النفس — صفحة 28
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٨