له الرجل : أعجبت من هذه البيضة ؟ فوالذي بعثك بالحقّ ما رزئت شيئا قطّ ، فنهض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولم يأكل من طعامه شيئا ، وقال : من لم يرزء فما للّه فيه من حاجة » .
وهناك تفسير ثالث لتلك الروايات التي تثبت البلاء للأنبياء ، ثمّ للأولياء ، ثمّ للأمثل فالأمثل ، وهو : أن يكون المقصود بالبلاء : الامتحان لا المصائب والمحن ، والامتحان كما قد يكون بالمصائب والمحن كذلك قد يكون بالنعم والخيرات ، كما قال اللّه تعالى :
. . . وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
« 1 » وكما قال اللّه تعالى عن لسان سليمان :
. . . فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ . . .
« 2 » .
وقد اتّضح بكل ما سردناه أنّ الفقه والعرفان يشكّلان سدى ولحمة لثوب التقوى . ومن يفصل بينهما ، ويفترضهما مدرستين منفصلة إحديهما عن الأخرى لا يعرف شيئا من الفقه ولا العرفان .
وأؤكّد أنّني لا أقصد بفرض الظاهر والباطن للإسلام تصحيح طريقة الباطنيين الذين يظهرون للناس شيئا ويبطنون شيئا آخر ، بل أقصد أنّ للإسلام باطنا يشعّ من ظاهره ، وظاهرا شفّافا يري باطنه ، وظاهره يتلألأ نورا ، وباطنه أصفى وأنقى ، وظاهره هو الذي تكفّل به الفقه الذي يحدّد الإجزاء وسقوط القضاء والإعادة لعامّة الناس ، وباطنه - أيضا - يفهم من نفس الأدلة الفقهية ، ويستفيد منه علما وعملا الخلّصون من عباد اللّه كلّ بدرجته ، ولم يكن بالإمكان تكليف عامة الناس بتحصيل كلّ درجات الكمال للنفس ، فاكتفى الإسلام بأقلّ الدرجات لعموم الناس مع فتح باب الترقّي والنمو والاقتراب إلى اللّه سبحانه وتعالى لمن أحبّ ذلك وبقدر ما يهتمّ به .
هامش
( 1 ) السورة 21 ، الأنبياء ، الآية : 35 .
( 2 ) السورة 27 ، النمل ، الآية : 40 .