وبعد أن كان الأمر كذلك بلا شك ، قل لي باللّه : ما معنى توبة المعصومين واستغفارهم ؟ ! وما معنى قوله سبحانه وتعالى مخاطبا لأشرف المخلوقين صلّى اللّه عليه وآله :
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ . . .
« 1 » ، وكذلك قوله عزّ وجلّ :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ . . .
؟ ! « 2 » .
ثمّ قل لي : ما معنى ما قد يتراءى في بادئ الأمر من القسوة على نبيّ من الأنبياء في قوله تعالى :
فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
« 3 » . فاللّه الذي هو أرحم الراحمين ، ويغفر الكبائر لأصحاب الكبائر والجرائم لأصحاب الجرائم لمن يشاء ما لم يكن شركا ، بل وحتّى الشرك للتائب ما معنى قسوته على نبيّ صدر منه الغضب للّه على الأمّة الكافرة ، فدعا عليهم ، فيؤدّبه على هذا العمل الذي يكون أشدّ تعبير عنه هو أن نفترضه تركا للأولى ، ويكون التعبير اللطيف عنه هو أن ندخله تحت عنوان حسنات الأبرار سيّئات المقربين ، ويكون تأديبه بسجنه في بطن الحوت ، ثمّ يقسو عليه لولا كونه من المسبّحين بفرض اللبث في هذا السجن إلى يوم يبعثون ؟ !
ثمّ قل لي : ما معنى بكاء إمامنا أمير المؤمنين عليه السّلام على ذنوبه ، وبثّه وشكواه وقوله : « إلهي افكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليّتي . . . » إلى أن أنعم في البكاء ، فلم يسمع أبو الدرداء له حسا ولا حركة ، قال : « . . . فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحرّكته فلم يتحرّك ، وزويته فلم ينزو ، فقلت : إنّا للّه وإنا إليه راجعون ، مات واللّه عليّ بن أبي طالب ، فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم ، فقالت فاطمة عليها السّلام : يا أبا الدرداء ما كان من شأنه ومن قصّته ؟
هامش
( 1 ) السورة 40 ، غافر ، الآية : 55 .
( 2 ) السورة 47 ، محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، الآية : 19 .
( 3 ) السورة 37 ، الصافات ، الآيتان : 143 - 144 .