وأمّا المرحوم آية اللّه الشيخ الإصفهاني قدّس سرّه فقد صرّح - أيضا في بحث التجرّي - بأنّ هذه القضايا داخلة في القضايا المشهورة المسطورة في علم الميزان في باب الصناعات الخمس . وبرهن على عدم كونها قضايا برهانيّة أو مضمونة الصحّة « 1 » .
ولكن لم أجد له تصريحا بأنّ هذه القضايا أو مطلق ما يسمّى بالقضايا المشهورة لا واقع لها إلّا شهرتها .
والواقع : أنّ إرجاع الحسن والقبح إلى جعل العرف أو العقلاء يساوق - في الحقيقة - إنكار واقع الحسن والقبح ؛ لأنّ ما يكون قابلا للجعل والاعتبار ، ويكون أمره بيد الجاعل والمعتبر ، إنّما هو عنوان الحسن والقبح لا واقعهما ، فمن يدرك بضميره وجود حسن وقبح حقيقيّين ، أو فضيلة ورذيلة واقعيّتين ، لا يصحّ له أن يذهب إلى هذا المقياس .
والثالث : دعوى أنّ ما تطابق عليه العرف أو العقلاء ، قد أعطى كلّ إنسان عرفيّ أو كلّ عاقل التزاما بالوفاء به ، وباتّباع ما عليه العرف أو العقلاء ، ويجب عقلا الوفاء بهذا الالتزام . فالمقياس الأصليّ - في الحقيقة - هو الوفاء بالالتزام ، أو قل :
هو حكم العقل المنطبق مصداقا على هذا الوفاء .
ولكن لو صحّ هذا لأمكن لكلّ فرد أن يتحرّر من جميع الأخلاقيّات بعدم إعطاء التزام من هذا القبيل ، فيصحّ له مثلا ضرب اليتيم ، أو الأخذ في فصل المرافعات بجانب الظالم لا المظلوم ، وما إلى ذلك ممّا هو خلاف ما يحكم به الوجدان والضمير ، سواء التزمنا باتّباع العرف أو العقلاء أو لم نلتزم .
وخلاصة الأمر : أنّ إدراك الضمير للقضايا الخلقيّة لا يدور مدار هذا الالتزام نفيا وإثباتا .
والرابع : دعوى أنّ تطابق آراء العرف أو العقلاء على الآراء المحمودة والآداب
هامش
( 1 ) راجع نهاية الدراية 2 / 8 .