كثيرا ما يقال إن العصر الذي نعيش فيه لم يعد عصر مبادئ أخلاقية مطلقة وقيم أزلية ثابتة ، بل هو قد أصبح عصر مرونة ، وتساهل وممارسة ونسبية ، وهذا ما يؤكده علم الأخلاق المعاصر « 1 » .
فبقدر ما أن الأخلاق تبرز كأسلوب في التوجه في عالم القيم ، فإنها ترتبط مباشرة بمسألة أية منظومة من القيم يطرحها المجتمع وكيف تتغير هذه المنظومة .
وبقدر ما أن في الأخلاق تنعكس مصالح وحدات اجتماعية
فهي ترتبط مباشرة بتوجه هذا المصالح ، في تصادمها وتطورها .
وكذلك بقدر ما أن الأخلاق تتضمن قواعد محددة ونماذج للسلوك متلائمة مع وضعيات حياتية نمطية ، فإنها ( أي الأخلاق ) تتأثر مباشرة بتغير هذه الوضعيات كشروط موضوعية للاختيار الأخلاقي ، وبقدر ما أن الأخلاق تضبط سلوك الناس ، فإنها ترتبط لدرجة كبيرة بحالة الأساليب الأخرى للضبط الاجتماعي . الحكومية ، الإدارية ، المعاشية ، العائلية . . وبقدر ما أن الأخلاق تبرز كنمط خاص للعقيدة ، فهي تتعرض لتأثير الميادين الأخرى للثقافة ( العلم - الفلسفة - الدين - الفن ) ولنتائج تطورها التي ترتبط أيضا بالشروط الاجتماعية الاقتصادية والثقافية .
على هذا الشكل فإن الشروط الاجتماعية والاقتصادية للأخلاق لا يلغي بتاتا خصوصية هذه الأخيرة ، وهذا بالضبط الحل الذي نقدمه لهذه المشكلة ، بل على العكس ، فإن هذه الخصوصية نفسها تمليها الحاجة الاجتماعية التاريخية للأخلاق .
وإن الأخلاق لديها القدرة عى أن تتغلغل في مختلف ميادين الحياة الاجتماعية :
فمتطلباتها ومحرماتها وقيمها ، توجد في الإقتصاد والسياسة والنشاط المهني والعلاقات الجنسية والتعليم والتربية . . الخ .
غير أن الأنماط المختلفة للأخلاق ، بوصفها منظومة ، تبعد بدرجات مختلفة من حيث القرب عن الأساس الاجتماعي الاقتصادي الثقافي ، ولذلك فإن أشراط هذه الأخيرة لتلك الدرجات يكون بأشكال مختلفة ، ولذلك أيضا فمن الطبيعي أن تكون المتطلبات والمحرمات الملموسة اليومية الحياتية أقرب لهذا الأساس . ففيها تثبت تغيرات
هامش
( 1 ) زكريا إبراهيم ، المشكلة الأخلاقية ص 60 .