تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية في الأخلاق العملية — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
إلّا انّ الشيخ وانطلاقا من العمل بالاحتياط ومراعاة الأصول العامة يؤكد في نهاية المطاف على انّ الاحتياط هو الامتناع عن الكذب بالاستفادة من التورية قدر المستطاع ، وهذا هو مقتضى العمومات واطلاق الأخبار ، ويبقى العموم والاطلاق مقدّمين ما لم يكن هناك دليل معتبر خلافهما .

2 - الاصلاح بين الناس « 1 »

حينما يسعى المرء لخلق الألفة والمحبة ورفع البغضاء والحقد من القلوب ، والاصلاح بين الأطراف المتنازعة وإعادة العلاقات فيما بينها إلى مجاريها الطبيعية ، فلا مانع من استخدام الكذب . فلو كان هناك جانبان متخاصمان وانطلق أحدهم نحو أحد الجانبين وقال له : انّ فلانا قد ذكرك بخير وانه مستاء لحالة الجفاء والتخاصم هذه وأعتقد انه راغب في التصالح معك ، ثم لو انطلق نحو الجانب الآخر وقال له مثل ما قال للأول ، فلا يعدّ هذا النوع من الكذب حراما ، بل ويعدّ مستحسنا أيضا ، وقد عبّر الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والأئمة المعصومون عليهم السّلام عن استحسانهم له .
هامش
- مع إضافة جملة الشرط « ان كانوا ينطقون » . أي انّ عبدة الأصنام حينما سألوه عن الذي حطّم أصنامهم ، أجابهم بأنّ الذي حطمها ، هذا الصنم الكبير ، فاسألوهم ان كان بامكانهم الإجابة . وقد حقق إبراهيم بهذا الشرط عملين : الأول تجنّب الكذب ، والثاني إدانة عبدة الأصنام من خلال الجدل . ( راجع : بحار الأنوار ، ج 72 ، ص 240 ) . وهكذا نلاحظ تأويل ظاهر كلام إبراهيم ويوسف عليهما السّلام وتفسيره بما يشبه التورية تنزيها لهما عن الكذب . ( 1 ) قد يقول قائل ان حالات كالاصلاح والحرب والوعد الكاذب للأسرة ، تعدّ من مصاديق الضرورة والاضطرار ، إلّا انّ للضرورة أنواعا مختلفة : ضرورات دينية ، واجتماعية ، ودنيوية ، وسياسية ، واقتصادية وغيرها . وأثبت علم الأصول انّ المقصود بالضرورة في مثل هذه الحالات ، ليس الضرورة العقلية ، بل الضرورة العرفية ، أي حينما يحظى الموضوع في مثل هذه الحالات بأهمية حياتية من وجهة نظر العرف . ولذلك يخرج تحقيق المصالح الفردية أو دفع الاضرار الطفيفة عن حالات الاستثناء ، وليس بالامكان ارتكاب جريرة الكذب من اجلها ، على العكس من المصالح العامة وحفظ كيان الأسرة التي تعد من الضرورات التي لها أهمية لدى العرب والشرع . واللّه أعلم .