ولم يبتغ الإمام في صدقاته وبرّه إلى الفقراء مدحا أو أجرا من أحد ، وإنّما كان يبغي وجه اللّه تعالى ، وما يقرّبه إليه زلفى ، وقد وضع أمامه قوله تعالى :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 1 » .
روى الزهري ، قال : رأيت عليّ بن الحسين عليه السّلام في ليلة باردة ، وهو يحمل على ظهره دقيقا ، فقلت له :
« يا بن رسول اللّه ، ما هذا ؟ » .
فقال له الإمام بصوت خافت :
« اعدّ سفرا ، واعدّ له زادا أحمله إلى موضع حريز » .
ولم يفهم الزهري ما أراده الإمام ، فأسرع قائلا :
« هذا غلامي يحمله عنك » .
ولم يجبه الإمام ، فتضرّع إليه الزهري أن يحمله عنه بنفسه ، إلّا أنّه أصرّ على ما ذهب إليه ، وقال له :
« ولكنّي لا أرفع نفسي عمّا ينجيني من سفري ، ويحسّن ورودي على ما أرد عليه ، أسألك بحقّ اللّه لما مضيت لحاجتك » .
وانصرف الزهري عن الإمام ، وبعد أيّام التقى به ، وكان قد ظنّ أنّ الإمام على جناح سفر ولم يرد أن يخبره عنه ، فقال له :
« يا بن رسول اللّه ، لست أرى لذلك السفر الذي تركته أثرا ؟ » .
فأخبره الإمام بالسفر الذي يريده ، وهو السفر إلى دار الحقّ قائلا :
« يا زهريّ ، ليس ما ظننت ، ولكنّه الموت ، وله أستعدّ ، إنّما الاستعداد للموت
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 262 .