العبوديّة في قبال الربوبيّة :
العبودية في قبال الربوبيّة هما مفهومان متضايفان - كالفوقيّة والتحتيّة والابوّة والبنوّة - لا ينفك أحدهما عن الآخر مفهوما وخارجا ، وادّعاء أحدهما لا ينفك عن ادّعاء الآخر ، بل هو بعينه .
كما أنّ إنكار أحدهما لا ينفك عن إنكار الآخر ، كما في قوله تعالى :
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
ومنه يعلم أنّ المراد من قوله تعالى :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
الشفاعة بالاستقلال من دون توقّف على إذن اللّه ورضاه ، ومعناها كون الشفيع قادرا على إنفاذ شفاعته عند اللّه ، ومالكا لأمر المشفوع له من حيث إنقاذه من عقوبة اللّه وإيصاله إلى ثوابه ، وذلك مساوق لنوع من الربوبيّة .
كما أن المراد من قوله تعالى :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
أنّهم يقرّبون إلى اللّه من غير حاجة إلى رضاه . بل مع سخطه عنّا وعدم تعرّضنا لطلب القرب من اللّه .
ومعناه : أنّ عاقبة أمرنا بيدهم وأنّهم ما لكون لأمرنا ، وهو نوع من الربوبيّة .
وهذا بخلاف الشفاعة عند اللّه بإذنه ورضاه .
فليس الاستشفاع من الأنبياء والأئمّة عليهم السّلام وطلب الشفاعة منهم مع العلم والاعتقاد بأنّهم لا يشاءون إلّا أن يشاء اللّه ، وأنّ للّه الشفاعة جميعا وأنّهم يشفعون بإذن اللّه ورضاه ، إلّا طلبا لمرضاة اللّه وعفوه ومغفرته له لأجل منزلتهم ومكانتهم عنده جلّت عظمته ، فإنّهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ،