واعلموا عباد اللّه ! أنّ الأمل يذهب العقل ويكذب الوعد ويحثّ على الغفلة ويورث الحسرة فأكذبوا الأمل فإنّه غرور وإنّ صاحبه مأزور « 1 » ، فاعملوا في الرغبة والرهبة ، فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا واجمعوا معها رغبة ؛ فإنّ اللّه قد تأذّن للمسلمين بالحسنى ، ولمن شكر بالزيادة ، فإنّي لم أر مثل الجنة نام طالبها ولا كالنار نام هاربها ، ولا أكثر مكتسبا ممّن كسبه ليوم تذخر فيه الذخائر وتبلى فيه السرائر ، وأنّ من لا ينفعه الحقّ يضرّه الباطل .
ومن لا يستقيم به الهدى تضرّه الضلالة ، ومن لا ينفعه اليقين يضرّه الشكّ ، وإنّكم قد أمرتم بالظعن « 2 » ودللتم على الزّاد ، ألا إنّ أخوف ما أتخوّف عليكم اثنان : طول الأمل واتّباع الهوى . ألا وإنّ الدّنيا قد أدبرت وآذنت بانقلاع « 3 » ، ألا وإنّ الآخرة قد أقبلت وآذنت باطّلاع . ألا وإنّ المضمار « 4 » اليوم والسباق « 5 » غدا ، ألا وإنّ السبقة الجنّة والغاية النار . ألا وإنّكم في أيّام مهل « 6 » من ورائه أجل ، يحثّه [ ال ] عجل ؛ فمن أخلص للّه عمله في أيّامه قبل حضور أجله نفعه عمله ولم يضرّه أجله ، ومن لم يعمل في أيّام مهله ضرّه أجله ، ولم ينفعه عمله .
عباد اللّه ! افزعوا إلى قوام دينكم بإقام الصّلاة لوقتها ، وإيتاء الزكاة في حينها ، والتضرّع والخشوع ، وصلة الرحم ، وخوف المعاد ، وإعطاء السّائل ، وإكرام الضعفة [ والضعيف ] ، وتعلّم القرآن والعمل به ، وصدق الحديث ،
هامش
( 1 ) . مأزور أي آثم يعني صاحب الأمل يأثم قال عليه السّلام « إنّ أخوف ما أخاف عليكم اتبّاع الهوى وطول الأمل » كما سيأتي .
( 2 ) . الظعن : الرحيل ، والأمر تكويني والمراد بالزاد عمل الصالحات وترك السيئات .
( 3 ) . الانقلاع : مطاوعة القلع ؛ أي آذنت الدنيا بالذهاب وعبّر عنه بالانقلاع لصعوبته على الإنسان كأنّه ينقلع الاطّلاع : الظهور من اطّلع الشمس : أي ظهر .
( 4 ) . المضمار : الموضع الذي تضمر فيه الخيل ويكون وقتا للأيّام الّتي تضمّر فيها .
( 5 ) . السّباق : المسابقة . والسّبقة - بالضم - : السّبق ؛ أي ما يوضع بين أهل السّباق ؛ وهو ما يراهنون عليه .
( 6 ) . المهل : التّؤدة والتباطؤ ( النهاية : 4 / 375 ) .