الخامس : أنّ المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لكونه فعله لا لوجه آخر ، ودلّ ذلك على أنّ المتعلّم يجب عليه من أوّل الأمر التسليم وترك المنازعة .
السّادس : الإتيان بالمتابعة من غير تقييد بشيء ، بل اتّباعا مطلقا لا يقيّد عليه فيه بقيد ، وهو غاية التواضع .
السّابع : الابتداء بالاتّباع ، ثمّ بالتعليم ، ثمّ بالخدمة ، ثمّ بطلب العلم .
الثّامن : أنّه قال :
هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ
أي لم أطلب على تلك المتابعة إلّا التعليم كأنّه قال : لا أطلب منك مالا ولا جاها .
التاسع : قوله :
مِمَّا عُلِّمْتَ
أشار إلى بعض ما علّم أي لا أطلب منك المساواة ، بل ببعض ما علّمتنا ، فأنت أبدا مرتفع عليّ زائد القدر .
العاشر : قوله « ما علّمت » اعتراف بأنّ اللّه ( تعالى ) علّمه ، وفيه تعظيم للمعلّم والعلم وتفخيم لشأنهما .
الحادي عشر : قوله
رُشْداً
طلب الإرشاد وهو ما لولا حصوله لغوى وضلّ ، وفيه اعتراف بشدّة الحاجة إلى التعليم ، وهضم عظيم لنفسه ، واحتياج بيّن لعلمه .
الثّاني عشر : ورد أنّ الخضر عليه السّلام علم أوّلا أنّه نبيّ لبني إسرائيل موسى عليه السّلام صاحب التوراة الّذي كلّمه اللّه تعالى بغير واسطة ، وخصّه بالمعجزات ، وقد أتى مع هذا المنصب بهذا التواضع العظيم هذه المعرفة من الخضر عليه السّلام ، وهذه الغاية من الأدب والتواضع من موسى عليه السّلام ، أجابه بجواب رفيع وكلام منيع مشتمل على العظمة والقوّة وعدم الأدب مع موسى عليه السّلام ، بل وصفه بالعجز وعدم الصبر بقوله :
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً *
وقد دلّت هذه الكلمة الوجيزة أيضا على فوائد كثيرة من آداب العلم ، وإعزازه للعلم ، وإجلاله لمقامه .