ارتجالا « 1 » فقأت عيون البلاغة وأيتمن « 2 » جواهر الحكمة ، وقطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهنّ « 3 » ؛ ثلاث منها في المناجاة ، وثلاث منها في الحكمة ، وثلاث منها في الآداب .
فأمّا اللاتي في المناجاة : إلهي كفى بي عزّا أن أكون لك عبدا ، وكفى بي فخرا أن تكون لي ربّا ، أنت كما احبّ فاجعلني كما تحبّ .
واللّاتي في الحكمة فقال : قيمة كلّ امرئ ما يحسنه ، وما هلك امرؤ عرف قدره ، والمرء مخبوء تحت لسانه .
واللّاتي في الآداب فقال : امنن « 4 » على من شئت تكن أميره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره ، واستغن عمّن شئت تكن نظيره .
يا أيّها الناس ازهدوا في الدّنيا ؛ فإنّ عيشها قصير ، وخيرها يسير ، وإنّها لدار شخوص « 5 » ، ومحلّة تنغيص « 6 » ، وإنّها لتدني الآجال ، وتقطع الآمال ، ألا وهي المتصدّية « 7 » العنون ، والجامحة الحرون « 8 » ، والمائنة « 9 » الخؤون .
هامش
( 1 ) . ارتجل الكلام : تكلّم به من غير أن يهيّئه .
( 2 ) . أي جعلن جواهر الحكمة أيتاما ضعافا .
( 3 ) . أي قطعوهم عن الإتيان بأمثالهنّ .
( 4 ) . امنن أي منّ عليه بالإعطاء ، وبما يكون لك الفضل والمنّة عليه كما يقال في أسماء اللّه تعالى منّان ، وليس المراد المنّة المبطلة للعمل ، بل كناية عن الإعطاء .
( 5 ) . شخص شخوصا : ذهب ( لسان العرب : شخص ) .
( 6 ) . نغّص عليه العيش تنغيصا : كدّره ( المجمع : نغص ) .
( 7 ) . المتصدّية العنون : أي الّتي تتعرّض للنّاس ( لسان العرب : عنن ) .
( 8 ) . الحرون : الّذي لا ينقاد ( المجمع : حرن ) .
( 9 ) . المائن : الكاذب ( لسان العرب : مين ) .