إن الصداقة يجب أن تعتمد على قوة العقائد وسمو الأعمال . وخير من يستديم المرء عشرتهم ، ويستبقي للدنيا والآخرة مودتهم ، أولئك الذين عناهم الأثر : « من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته » .
وإذا نشأت الصداقة للّه فلن تبقى إلا بطاعته ، ولن تزكو إلا ببعد الصديقين معا عن النفاق والفساد ؛ فإذا تسربت المعصية إلى سيرة أحدهما أو سيرتهما ، تغيرت القلوب وغاض الحب .
وفي الحديث : « . . . والذي نفسي بيده ما تواد اثنان فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما » .
من أجل ذلك كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يجعلون من التواصي بالحق والتعاون على الخير سياجا يحفظ ما بينهم من ود ، ويقربهم من غفران اللّه ورضوانه .
عن أبي قلابة قال : « التقى رجلان في السوق فقال أحدهما للآخر : تعال نستغفر اللّه في غفلة الناس ، ففعلا . فمات أحدهما ، فلقيه الآخر في النوم ، فقال : علمت أن اللّه غفر لنا عشية التقينا في السوق » « 1 » .
وعن أنس بن مالك : كان عبد اللّه بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحاب رسول اللّه قال : تعال نؤمن بربنا ساعة « 2 » ، فقال ذات يوم لرجل ! فغضب الرجل ، فجاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : يا رسول اللّه ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة ؟ فقال النبي : « يرحم اللّه ابن رواحة .
إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة » « 3 » .
وينبغي أن يتعارف الأصدقاء حتى يكون تواصلهم عن بينة ، وأن يذكر أحدهم للآخر ما يكنه له من إعزاز وحب :
قال رسول اللّه : « إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره أنه يحبه » « 4 » . وعن
هامش
( 1 ) ابن أبي الدنيا .
( 2 ) يعني : نذكره .
( 3 ) أحمد والطبراني .
( 4 ) أحمد .