وعجيب أن يشقى امرؤ في جمع ما يتركه لغيره ، وإذا لم يستفد المسلم من ماله فيما يصلح معاشه ويحفظ معاده فمم يستفيد بعد ؟ .
وقد أماط الرسول اللثام عن هذه الحقيقة فقال : « أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟ قالوا : يا رسول اللّه ما منا أحد إلا ماله أحب إليه . قال : فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر ! ! » « 1 » .
ومع ذلك ، فإن النبي عندما أعلن عن جمع الزكاة تحسس برفق مشاعر الحرص في الناس وتلطف في علاجها فقال : « سيأتيكم ركيب مبغضون - يعني جامعي الزكاة - فإذا جاؤوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون ، فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليهم ، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم وليدعوا لكم » « 2 » .
ونجاح الإنسان في إزاحة عوائق البخل التي تعترض مشاعر الخير فيه هو في نظر الإسلام فضيلة كاملة ، إذا المعروف أن المرء يشتد أمله في الحياة ، وتتوثق أواصره بها عندما يكون صحيح البدن ، طامحا في المستقبل ، يقتصد في نفقته ويضاعف في ثروته ، ليطمئن إلى غد أرغد له ولذريته . فإذا غالب هذه العوامل كلها وبسط كفه في ماله ، ينفق عن سعة ولا يخشى إقلالا ولا ضياعا ، فهو يفعل الخير العظيم .
جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ، أي الصدقة أعظم أجرا ؟
قال : « أن تصّدّق وأنت صحيح شحيح ، تخشى الفقر وتأمل الغنى ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان كذا » « 3 » .
* * * والبذل الواسع عن إخلاص ورحمة يغسل الذنوب ويمسح الخطايا :
قال اللّه تعالى :
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ، وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
« 4 » .
هامش
( 1 ) البخاري .
( 2 ) أبو داود .
( 3 ) البخاري .
( 4 ) البقرة : 271 .