طوّعت له نفسه أن تنفق منها بسعة ، ولقامت له من طبيعته الضيقة علل شتى تضع في يديه الأغلال .
قُلْ : لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ ، وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً
« 1 » .
وقد عد الإسلام هذا الشعور من النزعات الخسيسة التي يجب أن تخاصم بعنف ، وأن تقاوم دسائسها بيقظة ونشاط . وبيّن أن الفوز بخيري الدّنيا والآخرة لا يحرزه إلا من نجح في قمع دوافع البخل في نفسه حتى عودها التكرم والسخاء :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ، وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
« 2 » .
إن الأموال المستخفية في الخزائن ، المختبىء فيها حق المسكين والبائس ، شر جسيم على صاحبها في الدنيا والآخرة ، إنها أشبه شيء بالثعابين الكامنة في جحورها كأنها رصيد الأذى للناس ، بل إن الإسلام أبان أنها تتحول فعلا إلى حيات قد أمرقت واحتدت أنيابها تطارد صاحبها لتقضم يده التي غلّها الشح .
« . . ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع « 3 » يتبعه فاتحا فاه ، فإذا فر منه سمع من يناديه : خذ كنزك الذي خبأت ، فأنا عنه غني . فإذا رأى أنه لا بد له منه سلك يده في فمه ، فيقضمها قضم الفحل » « 4 » .
وقد أخذ الإسلام يفهم الإنسان بالحسنى والإقناع أن محبته الشديدة لماله قد تورده المتالف ، وأنه لو فكر في حقيقة ما يملك وفي عاقبته معه لرأى السماحة أفضل من الأثرة ، والعطاء خيرا من البخل .
« يقول العبد : مالي ما لي ؛ وإنما له من ماله ثلاث : ما أكل فأفنى ، أو لبس فأبلى ، أو أعطى فأقنى « 5 » . وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس » « 6 » .
هامش
( 1 ) الإسراء : 100 .
( 2 ) التغابن : 16 .
( 3 ) الشجاع الأقرع : الثعبان المسن .
( 4 ) البخاري .
( 5 ) يقال : أقناه بمعنى ملكه .
( 6 ) مسلم .