لا . إلا أن يكون ظالما يستمرىء العدوان ، ويتطاول فوق أخيه الإنسان دون سبب ما .
ومن كشف عن حقيقة الحرية ستار الإجمال أشرف على أربع خصال مندمجة في ضمنها :
إحداها : معرفة الإنسان بما له وما عليه ، فإن الشخص الذي يجهل حقوق الهيئة الاجتماعية ونواميسها لا يبرح في مضيق الجحر ، مقيد السواعد عن التصرف حسب إرادته واختياره حتى يستضيء بها خبرة ويقتلها علما ، إذ لا يأمن أن تطيش أفعاله عن رسوم الحكمة والسداد ، فيقع في خطيئة تحدث في نظام تلك الهيئة علة وفسادا ، ولا يخالط الضمائر .
من هذا إن الحرية مقصورة على علماء الأمة العارفين بواجباتها ، إذ للأميين منها مخلص فسيح ، وهو باب الاستفتاء والاسترشاد .
قال اللّه تعالى :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
( 43 ) « 1 » .
ثانيها : شرف نفس يزكي طويتها ويطهر نواياها من قصد الاعتداء على ما ليس يحق لها ، فلا ترمي مهمتها إلا في موضع تشير إليه العفة ببنانها .
ثالثها : إذعان يدخل به تحت نظر القوانين المقامة على قواعد الانصاف ، ويستنزله ريثما تحرر ذمته من المطالب التي توجه إليها باستحقاق .
رابعها : عزة جانب ، وشهامة خاطر ، يشق بها عصا الطاعة للباطل ، ويدفع بها في قوة من يسوم عنقه بسوء الضيم والاضطهاد .
ولا يقيم على ضيم يراد به * إلا الأذلان عير الحي والوتد
نستنتج من هذا البيان : أن الأساس الذي ترفع عليه الحرية قواعدها ليس سوى التربية والتعليم ، فيتأكد على الحكومة التي تنظر إلى فضيلة الحرية بعين الاحترام أن تسعى جهدها في تهذيب أخلاق الأمة وتنوير عقولهم بالتعليمات الصحيحة .
فإذا أضاءت على الأمة شموس الحرية ، وضربت بأشعتها في كل واد ، اتسعت آمالهم وكبرت هممهم ، وتربت في نفوسهم ملكة الاقتدار على الأعمال الجليلة . ومن لوازمها اتساع دائرة المعارف بينهم ، فتتفتق القرائح فهما وترتوي العقول علما ، وتأخذ
هامش
( 1 ) سورة النحل ، الآية 43 .