وهذه الحرية تبدأ من غريزة الشعور الايجابي بالذات - كما يعبر علماء النفس - ولذلك فهي أساس لضروب شتى من الحريات .
بل إن المفهوم السائد للحرية بين الجماهير يكاد لا يعدوها .
وضدها العبودية أو الاسترقاق الذي يفقد الإنسان فيه أهليته ، ولا يملك زمام نفسه .
واللّه عزّ وجل خلق الإنسان كامل المسؤولية ، وشرع له التكاليف الدينية ، ورتب عليها المثوبة والعقوبة ، على أساس إرادته الحرة وامتلاكه المطلق للاتجاه ذات اليمين أو ذات الشمال .
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
« 1 »
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
« 2 » .
وخطاب اللّه للمكلفين ما يصح أن يتوجه إليهم لولا هذه الحرية المقررة للإنسان ، والتي هي نواة شخصيته المعنوية .
ثم إن الأصل في الأشياء الإباحة ، ودائرة الحلال التي يمرح فيها الإنسان رحبة الأكناف .
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ
« 3 » .
وعندما تنظر إلى المحرمات التي حذر الشارع من مواقعتها ، تجد طائفة محصورة من الأعمال الرديئة هي في حقيقتها ليست قيدا على الحرية قدر ما هي سياج لحريات الآخرين ، أو إرشاد للإنسان حتى لا يستعمل حريته في إيذاء نفسه فموقف الشارع من الناس أنه :
يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ
« 4 »
هل لأحد بعد ذلك أن يقيد حرية الآخرين أو يسلبهم إرادتهم ؟
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 286 .
( 2 ) سورة النجم ، الآيات 39 - 41 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية 29 .
( 4 ) سورة الأعراف ، الآية 157 .