جوادا يسدّ دين المدينين وحاجة المحتاجين ، ويفيض سماحة وعفوا . وتروى الأعاجيب عن سماحته وعفوه . ومما يروى منها : أن جارية كانت تحمل الإبريق ، وتسكب الماء ليتوضأ ، فوقع ما في يدها على وجهه فشجه ، فرفع رأسه إليها لائما فقالت له الجارية : إن اللّه تعالى يقول :
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ،
فقال : « قد كظمت غيظي » فقالت :
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ،
فقال : « عفا اللّه عنك » ، فقالت :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
« 1 » ، قال : « أنت حرة لوجه اللّه ! » .
بهذا النبل والسمو والرحمة والعطف ، اشتهر علي عليه السّلام في ربوع الحجاز ، - وخصوصا في مكة المكرمة ، والمدينة المنورة - ، وعلا إلى درجة لم يصل إليها أبناء الخلفاء ، فكان المهيب من غير سلطان . ويروى في هذا من عدة طرق أن هشام بن عبد الملك ، قبل أن يتولى الخلافة ، كان يحج فطاف بالبيت الحرام ، ولما أراد أن يستلم الحجر الأسود لم يتمكن ، حتى نصب له منبر فجلس عليه ينتظر ، وأهل الشام حوله ، وبينما هو كذلك إذ أقبل علي زين العابدين عليه السّلام ، فلما دنا من الحجر ليستلم ، تنحى عنه الناس إجلالا له وهيبة واحتراما ، وهو في بزة حسنة وشكل مليح ، فقال هشام : من هذا ؟ استنقاصا له ، وكان الفرزدق الشاعر حاضرا ، فاندفع الشاعر الفحل في تعريفه بقصيدة ، جاء فيها :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد اللّه كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
إلى أن قال :
فليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم « 2 »
هامش
( 1 )وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .سورة الأعراف ، الآية 134 .
( 2 ) دائرة معارف الشعب .