ولكن الناس أمام هذه النعم وغيرها قليلا ما يشكرون . قال سبحانه :
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ
« 1 » .
ومنفعة الشكر لا تعود على اللّه فإنه لا ينتفع بشكر الشاكرين ، ولا يتضرر بكفر الكافرين ، وإنما منفعة الشكر عائدة على الشاكرين ، فهو يطهر النفوس ويقربها من اللّه ، ويوجه إرادتها إلى الوجهة الصالحة في إنفاق النعم في وجوهها المشروعة : ولهذا يقول سبحانه :
وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
« 2 » .
أما كفران النعم فيعرّضها للزوال ، لأنها تجعل المرء غير مبال بما يعمل ويبدد الثروة بدون منفعة ، ويتلف ما أنعم اللّه به عليه من نعم الصحة والعافية ويسير على غير المنهج الذي رسمه له الخالق ، فيؤدي به إلى غضب اللّه والبعد عن رحمته .
والقرآن يخبر بأن خراب الأمم كان سببه كفران النعم ، وعدم الشكر للّه تعالى .
قال سبحانه :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
« 3 » .
وذكر القرآن قصة قوم سبأ
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ( 25 ) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( 26 ) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
« 4 » .
فالشكر من الدعائم لسعادة الأمم ، والتنكب عنه لا يجلب غير الدمار والخراب ، حبذا لو فهمته الشعوب وعملت به لتحصل على السعادة التي تنشدها وهي عنه غافلة .
وهنا نادرة طريفة أقصها :
« حدث التاريخ أن السلطان ( سنجر السلجوقي ) ، مر في طريق وهو في موكب سلطنته ، وكان في الطريق درويش من أهل الفقر فسلم على السلطان فلم يرد عليه جواب التحية بلسانه بل حرك رأسه بدل الجواب . فقال الدرويش : أيها الملك ، إن الابتداء بالتحية مستحب وجوابها واجب ، وأنا قد أديت المستحب فلم لا تؤدّ الواجب .
هامش
( 1 ) سورة يونس ، الآية 60 .
( 2 ) سورة لقمان ، الآية 12 .
( 3 ) سورة النحل ، الآية 112 .
( 4 ) سورة سبأ ، الآيات 15 - 17 .