وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
« 1 » .
عندما تلا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هذه الآية قال عدي بن حاتم وكان نصرانيا قبل أن يسلم :
ما كنا نعبدهم يا رسول اللّه . قال أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون ، فتأخذون بقولهم ؟
قال : نعم . قال : هو ذاك .
فالإسلام إذ أمر بعبادة اللّه كان يرمي من ذلك أن يحرر الإنسان من العبودية التي لازمته السنين الطوال من ملوك الأرض وزعمائها الطاغين ، ورؤساء الدين المتألهين ، وأن ينزع من ذهنه ذلك الوهم بأنهم من طينة أفضل من طينته وأنهم من عنصر أفضل ، وأن بيدهم النفع والضر . ولهذا يقول اللّه تعالى :
قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً
« 2 » . ويقول سبحانه :
إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ
« 3 » .
ولهذا أرسل اللّه الرسل - في كافة العصور - للناس ليدعوهم إلى عبادة اللّه وحده وعدم خضوع بعضهم لبعض . قال اللّه تعالى :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
« 4 » . وإن الشقاء الذي ينتاب الجنس البشري مرده عدم فهم هذه الحقيقة ، فألّهوا بعضا من أفراد جنسهم علوا في الأرض ، واستذلوا البشر وساقوهم إلى التناحر ، وجعلوا الإنسانية شيعا يحارب بعضها بعضا .
ولهذا يدعو اللّه الناس جميعا - بقطع النظر عن ألوانهم وأجناسهم - بالتوجه إلى عبادة اللّه وحده .
انظر إلى هاتين الآيتين اللتين تفيض عباراتهما بالشعور الحي ، فتستجيب لها النفس إذا كانت ذات عقل ووجدان ،
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
« 5 » .
والمعنى - واللّه العالم - أن اللّه هو الذي خصكم بهذه الآيات الكونية العظيمة ،
هامش
( 1 ) سورة التوبة ، الآية 31 .
( 2 ) سورة المائدة ، الآية 76 .
( 3 ) سورة العنكبوت ، الآية 17 .
( 4 ) سورة النحل ، الآية 36 .
( 5 ) سورة البقرة ، الآيتان 21 ، 22 .