وإن في الإسلام عاملا نفسانيا للقضاء على الخوف ، وهو ما أمر به من التوكل على اللّه وتفويض الأمر إليه ، وقرنه بالعبادة التي خلق اللّه الناس لأجلها قال اللّه تعالى :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ
« 1 » .
والتوكل أثر من آثار الإيمان ، فالذي يؤمن بأن اللّه بيده تصاريف الحياة ، وبيده النفع والضر ، يترك الأمر إليه ويرضى بمشيئة اللّه ، فلا يفزعه المستقبل وما يخبئه له من مفاجآت ، ويستعيض عن الخوف بسكينة واطمئنان إلى عدل اللّه ورحمته ، ولهذا يقرر الإسلام بأن الإيمان يجب أن يصاحبه التوكل
وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
« 2 » .
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
« 3 » .
والإسلام يحمل البشرى للمتوكلين ، ويعدهم الفضل من اللّه ونيل بركاته انظر إلى هذه الآية الكريمة التي تمسح ما في نفوس المؤمنين من الخوف ، وتمدهم بقوة روحية يستطيعون بها التغلب على خوفهم وقلقهم ،
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
« 4 » . وورد في القرآن أيضا آية أخرى تحمل الوعد الصادق بالمعونة والتأييد من اللّه ،
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
« 5 » أي كافية مما أهمه ومما أحزنه .
وهناك فئات من الناس في حاجة إلى التوكل أكثر من حاجة غيرهم ، وهم المصلحون الذين يجتازون دائما الطريق المملوء بالأشواك ، ويكونون عرضة للأذى والتعب المضني ، هؤلاء يعلّمهم اللّه أن يفوضوا أمرهم إليه حتى لا يثبط الفشل همتهم ، ويأمرهم أن يقتدوا بنبيه شعيب الذي قال :
إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
« 6 » .
ولكن هناك شبهة يمكن أن تتبادر إلى الأذهان ، بأن التوكل يضعف الهمة للعمل ويؤدي إلى الكسل . هذه الشبهة عالجها القرآن ودحضها في هذه الآية :
وَشاوِرْهُمْ فِي
هامش
( 1 ) سورة هود ، الآية 123 .
( 2 ) سورة المائدة ، الآية 23 .
( 3 ) سورة التغابن ، الآية 13 .
( 4 ) سورة الشورى ، الآية 36 .
( 5 ) سورة الطلاق ، الآية 3 .
( 6 ) سورة هود ، الآية 88 .