تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 1 » . هناك سؤال يتبادر إلى الإنسان في ساعة صفاء ذهنه ، وفي حالة التفكر في نفسه : لماذا خلقت ، وما هي الغاية من خلقي ؟ . هذا السؤال الذي كان مدار البحث والتفكير عند الفلاسفة ، والذي لم يهتدوا إلى رأي ثابت في حل أسراره . وقد كان الفيلسوف الألماني - كانت - يرى أن أعظم مسائل الفلسفة وأجلها شأنا ثلاث مسائل ، وهي : 1 - ما الذي نستطيع معرفته ؟ . 2 - ما الذي يجب أن نعمله ؟ . 3 - ما الذي نرتجيه ونعلق آمالنا عليه ؟ . والقرآن يجيب على بعض هذه المسائل ، ويكشف سرا من أسرار الحياة والغاية من خلق اللّه للإنسان وهي : عبادة اللّه قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ .
فعبادة اللّه هي أقصى غاية الخضوع والتذلل له مع طاعته . وهذا يقتضي عدم الخضوع لأي كائن على هذه الأرض ، لأنهم كلهم مربوبون للّه ، وهذا ما صرح به القرآن :
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
« 2 »
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ
« 3 » . وعلى هذا فلا يجوز لكائن أن يعلو في الأرض ويتكبر ويقهر الناس حتى يخضعوا له ويذعنوا لأمره وينقادوا لجبروته ، يأمرهم بما يشاء وينهاهم عما يريد كما فعل الملوك والكهنة قديما ، والذين يخضعون لأمثال هؤلاء إنما يشركون باللّه ، الأمر الذي يبعث على الفساد في الأرض ، ومنه تتفجر ينابيع الشر والطغيان . والإسلام يريد أن يقطع دابر الذين تبوأوا ذروة الألوهية واستعبدوا الناس لأهوائهم . ولهذا يعيب على اليهود والنصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه . قال اللّه تعالى :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
هامش
( 1 ) سورة الذاريات ، الآية 56 . ( 2 ) سورة يوسف ، الآية 40 . ( 3 ) سورة الأنعام ، الآية 102 .