مبحث طالما أشفقت أن أتحدث عنه ، إن حسّي ليفعم بمشاعر ومعان لا أجد لها كفاء من العبارات ، ولكن لا بد من تقريب المشاعر والمعاني بالعبارات .
هذه الظاهرة الخالدة التي رسمها الإمام عليه السّلام ووضع خطوطها ، ظاهرة نجد فيها لمسات وجدانية متتابعة ، تنتهي كلها إلى هدف واحد : إشعار النفس البشرية بتوحيد اللّه وصدق الرسول ، ويقين اليوم الآخر والقسط في الجزاء .
لمسات تأخذ النفس من أقطارها ، وتأخذ بها إلى أقطار الكون في جولة واسعة شاملة ، جولة من الأرض إلى السماء ، ومن آفاق الكون إلى آفاق النفس ، ومن ماضي القرون إلى حاضر البشر ، ومن الدنيا إلى الآخرة .
إنها جملة من اللمسات العميقة الصادقة ، لا تملك نفس سليمة التلقي ، صحيحة الاستجابة ، ألا تستجيب لها ، وألا تتذاوب الحواجز والموانع فيها .
تحمل هذه اللمسات من المؤثرات النفسية والعقلية ما لا يحمله أسطول من مدمرات الشرك والانحراف والفسوق ! .
وقد استهل الإمام ( روحي فداه ) رسالته بحق اللّه تعالى إذ هو أعظم الحقوق وأجلها ، فلذلك يجب أن يؤدى كاملا ، بأن يعبد وحده دون سواه .
يعبد وحده بلا شريك ، لأنه وحده المستحق أن يعبد دون غيره .
ومثل هذه العبادة تهيمن على الشعور والسلوك ، فهي منهج كامل للحياة يشمل تصور الإنسان لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ، ولحقيقة الصلة بين الخلق والخالق ، ولحقيقة القوى والقيم في الكون وفي حياة الناس . . ومن ثم ينبثق نظام للحياة البشرية قائم على ذلك التصور ، فيقوم منهج للحياة خاص . منهج رباني مرجعه إلى حقيقة الصلة بين العبودية والألوهية ، وإلى القيم التي يقررها اللّه للأحياء والأشياء .
وفي هذا الخط العريض نرى الإمام عليه السّلام يدعو إلى العبادة التي تتخلص فيها الديانة السماوية على الإطلاق . يدعو إلى العبادة بإخلاص ، فقد تكون العبادة ولا يكون
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 14
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٤