ويتجلى له في مجالي الجذبة والمراقبة والحب فيأخذ الحب في الاشتداد لأن الإنسان مفطور على حب الجميل ، وقد قال تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
« 1 » ، وصار يتبع الرسول في جميع حركاته وسكناته لأن حب الشيء يوجب حب آثاره ، والرسول من آثاره وآياته كما أن العالم أيضا آثاره وآياته تعالى ، ولا يزال يشتد هذا الحب ثم يشتد حتى ينقطع إليه من كل شيء ، ولا يحب إلّا ربّه ، ولا يخضع قلبه إلّا لوجهه فإن هذا العبد لا يعثر بشيء ولا يقف على شيء وعنده شيء من الجمال والحسن إلّا وجد أن ما عنده أنموذج يحكي ما عنده من كمال لا ينفد وجمال لا يتناهى وحسن لا يحد ، فله الحسن والجمال والكمال والبهاء وكل ما كان لغيره فهو له ، لأن كل ما سواه آية له ليس له إلّا ذلك والآية لا نفسية لها . وإنما هي حكاية تحكي صاحبها ، وهذا العبد قد استولى سلطان الحب على قلبه ، ولا يزال يستولي ، ولا ينظر إلى شيء إلّا لأنه آية من آيات ربه ، وبالجملة فينقطع حبه عن كل شيء إلى ربه ، فلا يحب شيئا إلّا اللّه سبحانه وفي اللّه سبحانه .
وحينئذ يتبدل نحو إدراكه وعمله فلا يرى شيئا إلّا ويرى اللّه سبحانه قبله ومعه وتسقط الأشياء عنده من حيّز الاستقلال فما عنده من صور العلم والإدراك غير ما عند الناس لأنهم إنما ينظرون إلى كل شيء من وراء حجاب الاستقلال بخلافه ، هذا من جهة العلم ، وكذلك الأمر من جهة العمل فإنه إذا كان لا يحب الّا اللّه فلا يريد شيئا الّا اللّه وابتغاء وجهه الكريم ، ولا يطلب ولا يقصد ولا يرجو ولا يخاف ولا يختار ، ولا يترك ، ولا ييأس ، ولا يستوحش ، ولا يرضى ، ولا يسخط إلّا اللّه وفي اللّه فيختلف أغراضه مع ما للناس من الأغراض وتتبدل غاية أفعاله فإنه قد كان إلى هذا الحين يختار الفعل ويقصد الكمال لأنه فضيلة إنسانية ويحذر الفعل أو الخلق لأنه رذيلة إنسانية .
وأما الآن فإنما يريد وجه ربه ، ولا همّ له في فضيلة ولا رذيلة ، ولا شغل له بثناء جميل وذكر محمود ، ولا التفات له إلى دنيا أو آخرة أو جنة أو نار ، وإنما همّه ربه ، وزاده ذل عبوديته ، ودليله حبه .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 165 .