فقام أبو الحسن عليه السّلام فأتى إلى أبي جعفر عليه السّلام فقال له : قم يا حبيبي . .
فقال عليه السّلام : ما أريد أن أبرح من مكاني هذا . .
قال : بلى يا حبيبي .
فقال عليه السّلام : كيف أقوم ، وقد ودعت البيت وداعا لا ترجع إليه . .
فقال عليه السّلام : قم يا حبيبي . . فقام معه . . « 1 » .
ومن هذه الرواية تعرف مدى تعلق الأب العظيم بابنه الكريم . .
والابن الكريم بالأب العطوف الرحيم . . وما أجمله من أدب . . وأعظمه من رزية على الإمامين عليهما السّلام وهما يودعان بعضهما البعض ويعرفان أن لا تلاقي إلا في دار الخلود والنعيم الذي لا يبلى . .
وما أرهف حس الإمام الجواد عليه السّلام الذي أدرك فداحة المصيبة وعظمة الخطر الذي ينتظرهما بعد ذلك . . فقد أدرك أو علم أنهما لا يعودان إلى الحج ثانية مع بعضهما . . وهذا الاحتجاج لم ينته إلا بمبادرة كريمة من الإمام الرضا عليه السّلام شخصيا وبكثير من الأدب والخلق المحمدي الرسالي الأصيل . . قم يا حبيبي . .
كيف أقوم وقد ودعت البيت وداعا لا ترجع إليه . .
إلا أنها إرادة اللّه سبحانه وتعالى . . أراد لهذا الإمام العظيم أن يكون بعيدا عن أهله وأحبابه وشيعته ليكون رمزا للرسالة والرسالية على مدى الأيام والعصور والدهور . . ويبقى شاهدا على ظلم بني العباس وتجبرهم وتكبرهم وكفرانهم للنعمة العظمى - الإمامة - وإنكارهم الولاية لأهل الولاية والقيادة والسيادة . . لآل علي عليهم السّلام .
هامش
( 1 ) كشف الغمة ج 3 ص 152 .