تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكلمة — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
فإن قال قائل : فلم جعل أولي الأمر وأمر بطاعتهم ؟ قيل : لعلل كثيرة : منها أنّ الخلق لمّا وقفوا على حدّ محدود وأمروا أن لا يتعدّوا تلك الحدود لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلّا بأن يجعل عليهم فيها أمينا يأخذهم بالوقت عندما أبيح لهم ويمنعهم من التعدّي على ما حظر عليهم لأنّه لو لم يكن ذلك لكان أحد لا يترك لذّته ومنفعته لفساد غيره ، فجعل عليهم قيّما يمنعهم من الفساد ، ويقيم فيهم الحدود والأحكام . ومنها أنّا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملّة من الملل بقوا وعاشوا إلّا بقيّم ورئيس لما لا بدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا ، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق ممّا يعلم أنّه لا بدّ لهم منه ولا قوام لهم إلّا به فيقاتلون به عدوّهم ، ويقسّمون به فيئهم ، ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم ، ويمنع ظالمهم من مظلومهم . ومنها أنّه لو لم يجعل لهم إماما قيّما أمينا حافظا مستودعا لدرست الملّة ، وذهب الدين ، وغيّرت السنن والأحكام ، ولزاد فيه المبتدعون ، ونقص منه الملحدون ، وشبّهوا ذلك على المسلمين ، إذ قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين ، غير كاملين ، مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتّت حالاتهم ، فلو لم يجعل فيها قيّما حافظا لما جاء به الرسول الأوّل لفسدوا على نحو ما بينّاه ، وغيّرت الشرايع والسنن والأحكام والإيمان ، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين . فإن قيل : فلم لا يجوز أن يكون في الأرض إمامان في وقت واحد أو أكثر من ذلك ؟