معاصيه أعظم من معاصي من كفر بإغوائه ، فأهلك اللّه من شاء منهم ، كقوم نوح وفرعون ، ولم يهلك إبليس وهو أولى بالهلاك ، فما باله أهلك هؤلاء الذين قصروا عن إبليس في عمل الموبقات ، وأمهل إبليس مع إيثاره لكشف المحرمات ، أما كان ربنا عز وجل حكيما بتدبيره وحكمه فيمن أهلك وفيمن استبقى ، فكذلك هؤلاء الصائدون في السبت ، وهؤلاء القاتلون للحسين يفعل في الفريقين ما يعلم أنه أولى بالصواب والحكمة ، لا يسأل عما يفعل وعباده يسألون . . .
قال له بعض من في مجلسه : يا ابن رسول اللّه ، كيف يعاقب اللّه ويوبخ هؤلاء الأخلاف على قبائح أتاها أسلافهم ، وهو يقول :
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
« 1 » ؟
فقال زين العابدين عليه السّلام : إن القرآن نزل بلغة العرب ، فهو يخاطب فيه أهل اللسان بلغتهم ، يقول الرجل التميمي - قد أغار قومه على بلد ، وقتلوا من فيه - : أغرتم على بلد كذا ، وفعلتم كذا ، ويقول العربي : نحن فعلنا ببني فلان ، ونحن سبينا آل فلان ، ونحن خربنا بلد كذا ، لا يريد أنهم باشروا ذلك ، ولكن يريد هؤلاء بالعذل ، وأولئك بالافتخار ، إن قومهم فعلوا كذا ، وقول اللّه عز وجل في هذه الآيات إنما هو توبيخ لأسلافهم ، وتوبيخ العذل على هؤلاء الموجودين ؛ لأن ذلك هو اللغة التي نزل بها القرآن ، والآن هؤلاء الأخلاف أيضا راضون بما فعل أسلافهم مصوبون لهم ، فجاز أن يقال : أنتم فعلتم ، أي إذ رضيتم قبيح فعلهم .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 164 .