عارض من غصصه ، فتحيّرت نوافذ فطنته ، ويبست رطوبة لسانه ، فكم من مهمّ من جوابه عرفه فعيّ عن ردّه ، ودعاء مؤلم بقلبه سمعه فتصامّ عنه ، من كبير كان يعظّمه ، أو صغير كان يرحمه ، وإنّ للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة ، أو تعتدل على عقول أهل الدّنيا .
ما آنسك بهلكة نفسك ؟ « 1 »
ومن كلام له عليه السّلام ، قاله عند تلاوته :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
( 6 ) « 2 » :
أدحض مسؤول حجّة ، وأقطع مغترّ معذرة ، لقد أبرح جهالة بنفسه .
يا أيّها الإنسان ، ما جرّأك على ذنبك ؟ وما غرّك بربّك ؟ وما آنسك بهلكة نفسك ؟ أما من دائك بلول ؟ أم ليس من نومتك يقظة ؟ أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك ؟ فلربّما ترى الضّاحي من حرّ الشّمس فتظلّه ، أو ترى المبتلى بألم يمضّ جسده فتبكي رحمة له ، فما صبّرك على دائك ، وجلّدك على مصابك ، وعزّاك عن البكاء على نفسك ، وهي أعزّ الأنفس عليك ؟
وكيف لا يوقظك خوف بيات نقمة ، وقد تورّطت بمعاصيه مدارج سطواته ؟ فتداو من داء الفترة في قلبك بعزيمة ، ومن كرى الغفلة في ناظرك بيقظة ، وكن للّه مطيعا ، وبذكره آنسا ، وتمثّل في حال تولّيك عنه إقباله عليك ، يدعوك إلى عفوه ، ويتغمّدك بفضله ، وأنت متولّ عنه إلى غيره .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة رقم ( 223 ) ، وبحار الأنوار : ج 68 ص 192 - 193 ب 14 ح 59 .
( 2 ) سورة الانفطار ، الآية : 6 .