تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 817

مساهمون:

ص٨١٧

1 - صبر وعطاء .

هذا هي المشكلة الأولى : فأي الفضيلتين خير من الأخرى : الصّبر في البأساء ، أو العطاء في الرّخاء ؟ وربما طرحت هذه المشكلة صرحا سيئا إذا ما أريد بها هنا إقرار تدرج ذي طابع عملي ، صالح لفرض واجب ، أو حتّى وصية . ذلك أنّه لكي نمارس الفضيلة الأساسية المنافية لوضع معين - فإمّا أن يكون كافيا أن نتخذ بطريقة مصطنعة موقف الوضع النّقيض ، وهو أمر يبدو محالا غير معقول ، وإمّا أن يلزمنا أن نستبدل بالوضع الرّاهن الوضع العكسي . ولكن لو افترضنا أنّ إصلاح وضعنا ، وإسعاد أنفسنا ماديا ، أو إفساد هذا الوضع ، وتدمير ثرواتنا - كلاهما يتوقف علينا ، فهل من واجبنا الملح ، كيما ننتقل من حالة إلى أخرى مناقضة لها - أن نغير وضعنا ، أو أن نسير بهذه الطّريقة ، أو تلك على حسب الظّروف ؟ . . إنّ الإجابة عن هذا السّؤال موجودة أوّلا بصورة مجملة في وصية حكيمة ، يدعو فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلّا منّا ألا يدع مجال عمله الّذي اعتاده ما لم تنقلب أحوال هذا العمل ضده : « فعن عائشة رضى اللّه عنه قالت : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : إذا سبّب اللّه لأحدكم رزقا من وجه فلا يدعه حتّى يتغير له ، أو يتنكر له » « 1 » ، فإذا ما نقلنا هذا القول من المجال الاجتماعي إلى المجال الأخلاقي - ألا نستطيع أن
هامش
( 1 ) انظر ، سنن ابن ماجة : 2 / 727 ح 2148 ، مسند أحمد : 6 / 246 ح 26134 ، مصباح الزّجاجة : 3 / 9 ، شعب الإيمان : 2 / 90 ح 1244 ، ميزان الاعتدال : 6 / 391 ح 8402 ، تهذيب التّهذيب : 10 / 370 ح 744 ، كشف الخفاء : 2 / 296 ح 2376 ، تهذيب الكمال : 9 / 313 .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 817 | محمد عبد الله دراز