تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 783

مساهمون:

ص٧٨٣
لقد عرفت الأخلاقية أحيانا بأنّها : « فن السّيطرة على الأهواء » ، وهذا التّعريف ناقص ، لأنّه لا يعبر إلّا عن الجانب السّلبي ، والوجه الأدنى قيمة من العمل ، بل إنّه في رأينا مرحلة تمهيدية . فالأخلاق بالمعنى الكامل للكلمة هي أيضا ، وبصفة خاصة مشروع لتحقيق القيم الإيجابية ، وصيغة أمرها المبدئي ليست : ( كفّ نفسك عن الشّر ) ، بل هي : ( افعل الخير ) . وكلّ ما في الأمر أننا نجد أنفسنا أحيانا ، وبشكل ضمني ، مضطرين إلى أن نوجه هجومنا ضد العدو ، الّذي يروم تحويل أنظارنا عن هدفنا الأساسي . وحسبنا لكي نقتنع بهذا أن نقرأ هذا التّدرج في الوصايا الإسلاميّة : فعن أبي موسى الأشعري قال : قال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : على كلّ مسلم صدقة ، قالوا : فإن لم يجد ؟ قال : فيعمل بيديه ، فينفع نفسه ويتصدق . قالوا : فإن لم يستطع ، ( أو لم يفعل ) ؟ قال : فيعين ذا الحاجة الملهوف . قالوا : فإن لم يفعل ؟ . . قال : فيأمر بالخير ( أو قال : بالمعروف ) . قالوا : فإن لم يفعل ؟ قال : فيمسك عن الشّرّ ، فإنّه له صدقة » « 1 » . هذا ومن الأمور الشّائعة تشبيه الأخلاق بالطب ، فأحدهما للنفس من حيث كان الآخر للبدن . وإذا كان فن الطّب لا يكتفي بأن يكون موضوعه أن يعالج الحالة المرضية
هامش
( 1 ) هكذا الحديث كما جاء في صحيح البخاري : 2 / 524 ح 1376 و : 5 / 2241 ح 5676 ، وفيما ذكره المؤلف في الهامش بعض اختلافات . انظر ، شعب الإيمان : 3 / 203 ح 3326 ، الرّسالة السّعدية للعلّامة الحلي : 157 ، الأدب المفرد : 1 / 88 ح 225 ، مستدرك الوسائل : 7 / 242 ، صحيح مسلم : 2 / 699 ح 1008 ، سنن البيهقي الكبرى : 4 / 188 ح 7610 و : 10 / 94 ، السّنن الكبرى : 2 / 35 ح 2318 ، مسند أحمد : 4 / 395 ، سنن النّسائي ( المجتبى ) : 5 / 64 ح 2538 ، عوالي اللئالي : 1 / 369 .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 783 | محمد عبد الله دراز