تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 782

مساهمون:

ص٧٨٢
« غير المهذب » من النّفس ؛ فلا خلق إلّا بقدر ما يكون هناك من شرور ، يجب مجاهدتها ، فبين الأخلاقية والجهد « الدّفاعي » علاقة وثيقة إن لم يكونا شيئا واحدا . وأمّا حلّنا فشئ آخر تماما . ذلك أننا - من ناحية - نبقي للنصوص هدفها الشّامل ، فنحن نرى أنّ النّصر ، مهما تراحب مداه ، وأية كانت علته ، يمنح النّفس المتحررة من أدرانها أجرا أعلى بالنسبة إلى النّصر الّذي يظل هدفا لإغراءات الشّر المتحفزة . وبدلا من أن يسير تقديرنا متوازيا مع مشقة المقاومة يجب أن يزيد كلّما نقصت هذه المشقة . فالقول الحقّ في نظرنا هو القول الّذي يقرر علاقة عكسية بين القيمة ، وضرورة الجهد المحارب ، فالقيمة مرتبطة بتقهقر هذه الضّرورة ، لا بتقدمها . ولكنا ، في مقابل ذلك ، لا نقفل حلقة الأخلاقية بعد هذا الانتصار ، لأننا ، بدلا من أن نوفق بينها وبين جانب واحد من نشاطنا ، نحدد لها « مجالين » ، ثانيهما ليس أزهدهما قيمة ، فبعد أن نصارع ضد الظّلام ، يواجهنا الصّراع في النّور ، وكلّ شهوة نحكمها هي عقبة نجتازها ، ونير ننزعه ، ودرجة من الحرية والخصوبة نرتقيها . فمنذ أن تصبح الإرادة الطّيبة لا يناوئها عدوها ، وحين لا تصبح هنا ضرورة للجهد المكافح ، « فإنّ جهدا آخر يطرح نفسه ، ويفرضها » . فالوقت ، والقوة اللّذان كانا مخصصين لأعمال « الهدم » وإزالة الأنقاض سوف يدخران منذئذ ، إلى أن يصبحا أعظم قدرا ، وأكثر استجماعا ، لأعمال « الإنتاج ، والبناء » .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 782 | محمد عبد الله دراز