لتتجلى في صورة خير موضوعي ، ثمّ تهبط بعد ذلك من المحيط إلى المركز لتتحول إلى خير شخصي .
ولكن ، قد يقال لنا : بما أنّ « الفعل » و « رد الفعل » يتقاصان بالتبادر على هذا النّحو ، وإن اختلفت نقطتا بدئهما ، فلما ذا إذن هذا التميز الّذي تريد أن تخص به منهجيا العمل الباطني ؟ .
ونجيب عن ذلك : بأنّ الدّورين ليسا متشابهين قط . إذ أنّ العامل الباطني يصل في أهميته إلى درجة يصبح معها التّحقق المادي للعمل مدينا له مطلقا بوجوده الأخلاقي ؛ على حين أنّ الأثر الّذي يمارسه الجانب المادي على الأخلاقي ليس إلّا مكملا له ، ودعامة يمكنه أن يستغني عنها إذا لزم الأمر . فالعمل الباطني يمكنه أن يكتفي بنفسه إلى حدّ كبير .
وهناك فرق آخر ليس بأقل أهمية ، هو أنّ نشاطنا الظّاهر ، الّذي هو مرحلة وسيطة بيننا ، وبين النّاس - قلما يتجاوز دوره كوسيلة للوصول إلى شيء آخر ، في الخارج ، أو في الدّاخل . على حين أنّ عمل القلب ، الّذي يستطيع أن يكون وسيلة ذات فاعلية من أجل خير النّاس - هو في الوقت نفسه ، وفي كلّ حال ، إمّا « غاية في ذاته » ، وإمّا السّبب المباشر ، والموصل لهذه الغاية من حيث إنّه يعتبر جوهر خيرنا الشّخصي .
وبذلك نرى عيب جميع النّظريات الأخرى ، الّتي ترى أنّ العمل الأخلاقي من شأنه أن يتوجه إلى هدف معين خاص ، سواء بأن يحبس الإنسان في داخل نفسه ، أو بأن يستخدمه فقط لغايات خارجية غريبة عنه .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 613
مساهمون: محمد عبد الله دراز
ص٦١٣