تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
ومع ذلك إنّ الأخلاق القرآنية كسائر الأخلاقيات الدّينية - لم تقع في هذا التّناقض الفلسفي ، الّذي يعزل عزلا مطلقا العنصر الأخلاقي عن العنصر الحسي ، ثمّ يعود بعد ذلك إلى التّوفيق بينهما ولكن متأخرا جدا . إنّها أخلاق تتصور الإنسان ، من أوّل لحظة ، في كيانه المتكامل ، الّذي لا يتوقف فيه القلب ، والعقل عن التّعاون مع الإرادة . وهذه الأخلاق ترى فضلا عن ذلك أنّ خلود النّفس ، ووجود اللّه ليسا من الفروض المسلمة ، بل هما نقطة انطلاق . إنّهما عقيدتان أساسيتان في ذاتهما أوّلا ، وتؤسسان بدورهما نظام الجزاءات . إنّ إله القرآن ، وجميع الكتب المنزلة ليس خالقا ، ومشرعا فحسب ، وإنّما هو في الوقت نفسه مكافئ عادل . وإذن فمن الواضح الجلي أنّ مثل هذه المفاهيم يجد فيها التّفكير في أشكال الجزاء نموا أكثر تماسكا ، كما أنّها تقدم إليه إجابات دقيقة لمختلف المقتضيات ، والمطالب . فإذا كان الإنسان الّذي يستسلم لأفعاله بأكملها يتحمل نتائجها بأكملها ، فأي شيء أكثر عدلا من هذا ؟ . . ومن ناحية أخرى نجد أنّ الفعل الإرادي الّذي أقر اللّه - سبحانه - به شريعة الواجب ، يسير في نفس الفكرة الإلهية - مع الفعل الّذي وضع اللّه به المبدأ العام للمجازاة ، جنبا إلى جنب . واقرأ إن شئت قوله تبارك وتعالى :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ