ثم في الأعمال ، بأن يبذل جهده ، بحيث لا يكون ظاهره مخالفا لباطنه لا بأن يترك العمل بالمرة ، بل بأن يسخر الباطن إلى تصديق الظاهر ، وهذا غير ريائي ، لأن المرائي هو الذي يقصد ذلك لأجل الخلق ، وربّ واقف على هيئة الخشوع في صلاته ليس يقصد به مشاهدة غيره ، ولكن قلبه غافل عن الصلاة ، فمن نظر إليه رآه قائما بين يدي اللّه ، وهو بالباطن قائم في السوق بين يدي شهوة من شهواته . وكذلك قد يمشى على هيئة السكون والوقار ، وليس باطنه موصوفا بذلك ، فهذا غير صادق في عمله وان لم يكن ملتفتا إلى الخلق ولا مرائيا إياهم ، ولا ينجو من هذا الا باستواء السر والعلانية ، بأن يكون باطنه مثل ظاهره أو خيرا من ظاهره ، وهذا كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : اني واللّه ما أحثكم على طاعة الا واسبقكم إليها ، ولا أنهاكم عن معصية الا واتناهى قبلكم عنها .
ثم في مقامات الدين ، وهو اعلا درجات الصدق وأعزها ، كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والحب والتوكل وسائر المكارم ، فان هذه الأمور لها مبادئ ينطلق الاسم بظهورها ، ثم لها غايات وحقائق ، والصادق المحقق من نال حقيقتها ، قال اللّه تعالى :
« انما المؤمنون الذين آمنوا باللّه ورسوله ثم لم يرتابوا »
إلى قوله :
« أولئك هم الصادقون »
وقال عز وجل :
« ولكن البر من آمن باللّه واليوم الآخر »
ثم قال :
« والصابرين في البأساء والضراء »
إلى قوله :
« أولئك الذين صدقوا »
.
وسئل أبو ذر ( رض ) عن الايمان فقرأ هذه الآية ، فقيل له : سألناك عن الايمان فقال : سألت رسول اللّه ( ص ) عن الايمان فقرأ هذه الآية .
وان أردت أيضا أن تعرف معنى الصدق في الخوف فاعلم أنه ما من عبد يؤمن باللّه الا وهو خائف خوفا ينطبق عليه هذا الاسم ، ولكنه خوف غير بالغ درجة الصدق والحقيقة ، ولذا تراه إذا خاف سلطانا أو قاطع طريق