فعل ذلك عن تكلف وعرفه المحسود طاب قلبه وأحبه ، ومهما أحبه عاد الحاسد وأحبه وتولد بينهما الموافقة التي تقطع مادة الحسد ، ويصير ما تكلفه أولا طبعا آخر .
والأصل في العلاج قمع أسباب الحسد من الكبر وعزة النفس وشدة الحرص كما يأتي إن شاء اللّه تعالى .
واعلم أن الحاسد له في أعدائه ثلاثة أحوال :
( الأولى ) ان يحب مساءتهم بطبعه ولكنه يكره حبه لذلك وميل قلبه اليه بعقله ، ويمقت نفسه عليه ويودّ أن يكون له حيلة في إزالة ذلك الميل ، وهذا القسم معفو عنه قطعا لأنه غير داخل تحت الاختيار .
( الثانية ) أن يحب ذلك ويظهر الفرح بمساءته إما بلسانه أو بجوارحه ، وهذا هو الحسد المحظور قطعا .
( الثالثة ) وهي بين الطرفين أن يحسد بالقلب من غير مقته لنفسه على حسده ومن غير إنكار منه على قلبه ، لكن يحفظ جوارحه من طاعة الحسد في مقتضاها ، وهذا محل خلاف بين العارفين : فقيل إنه لا يخلو عن إثم بقدر قوة ذلك الحب وضعفه ، لأنك وإن كفيت ظاهرك بالكلية الا انك بباطنك تحب زوال النعمة ، وليس في نفسك كراهة لهذه الحالة ، فأنت أيضا حسود عاص ، لأن الحسد صفة القلب لا صفة الفعل ، قال تعالى :
« ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا »
وقال :
« ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء »
، والفعل - كالغيبة والوقيعة في المحسود - انما هو عمل صادر عن الحسد لا عين الحسد .
وذهب ذاهبون إلى أنه لا يأثم إذا لم يظهر الحسد على جوارحه ، ويرشد اليه كثير من الأخبار : فروي من طرق العامة بأسانيد عديدة عن النبي ( ص ) قال : وضع عن أمتي تسع خصال : الخطأ ، والنسيان ، وما لا يعلمون ،