تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 609

مساهمون:

ص٦٠٩
الأجلّ والأكمل والأشرف كان العلم به ألذّ ولذّته أقوى وأعظم وأدوم . وهل في الوجود شيء أجلّ وأعلى وأشرف وأبهى من خالق الأشياء ومكمّلها ومبدعها ومدبّرها ومزيّنها ؟ وهل يمكن أن تكون حضرة أعظم في البهاء والثناء والكمال والجلال والجمال عن الحضرة الربوبية التي لا يحيط بمباديء جلالها وعجائب أحوالها وصف الواصفين ، فإن أيقنت بذلك فأيقن بأنّ العلم بأسرار الربوبية من أعلى أنواع المعارف وأشرفها وأبهاها وأطيبها وألذّها وأشهاها بعد ما علمت أنّ لذّة العلم من أقوى اللذّات وأسناها ، فإن اللذّات تختلف نوعا كاختلاف لذّة الوقاع مع لذّة الأكل ، ولذّة السماع مع لذّة الرئاسة ، ولذّة الرئاسة مع لذّة المعرفة ، وكلّ نوع منها يختلف فيما تحته ضعفا وقوّة ، كلذّة الشبق المغتلم من الجماع مع لذّة الشائب الفاتر الشهوة ، ولذّة النظر إلى الوجه البالغ في الجمال أقصاه بالنظر إلى ما دونه ، والمعيار الكلّي في استعلام الأقوى من الأضعف اختيار المخيّر المتمكّن من كلّ منهما ، فإذا استمرّ اللاعب بالشطرنج على لعبه بعد حضور الطعام في وقته وترك الأكل علم أنّه عنده ألذّ منه وهكذا . ثمّ قد تبيّن لك سابقا أنّ اللذّات الباطنة كالرئاسات والكرامات والعلوم أقوى من الظاهرة المستندة إلى الحسّ ، ولذا لا يختارها عليها إلّا من كان خسيسا همّته ، ميّتا قلبه ، ناقصا عقله ، كالصبي والمجنون ، بل كلّما كمل العقل انتقل من لذّة ظاهرة إلى ما هو فوقها ، ولذا إنّ الصبي في أوّل حركته وتمييزه تظهر منه غريزة بها يستلذّ من اللهو واللعب ، وهما عنده من ألذّ الأشياء حينئذ ، ثم لبس الثياب والتزين وركوب الدوابّ حتى يستحقر معها اللهو واللعب ، ثم لذّة الوقاع حتّى يستحقر معها ما تقدّم ويتركها حين الوصول إليها ، ثم لذّة الرئاسة والتكاثر والعلوّ وهي آخر لذّات الدنيا من اللذّات الباطنية .