تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
ومنها : التخصيص ، أي تقدّر أنّك المقصود بكلّ خطاب فيه من الأمر والنهي والوعد والوعيد ، إذ ما من شيء في القرآن إلّا وسياقه لفائدة في حقّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأمّته . قال تعالى :
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ .
« 1 » فالقرآن كلّه هدى وشفاء ورحمة ونور وموعظة ، فقدّر أنّ مولاك كتب لك كتابا لتدبّره وتعمل بمقتضاه . ومنها : التأثّر ، أي يتأثّر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات ، فيكون له بحسب كلّ فهم حال من الخوف والحزن والوجد والفرح والرجاء والقبض والانبساط ، فإذا سمع المخوّف اضطرب قلبه وتضاءل من الخوف كأنّه يموت ، وإن سمع الرحمة والمغفرة فليفرح ويستبشر كأنّه يطير من الابتهاج ، وإذا سمع صفات جلاله تطأطأ خضوعا واستشعارا لعظمته ، وإذا سمع ذكر الكفّار وما يصفون به اللّه من الأولاد غضّ صوته بانكسار في قلبه وحياء من قبح مقالتهم ، وكذا غيرها ، ومهما تمّت المعرفة كان الغالب على القلب الخشية ، لكون التضييق غالبا في القرآن ، فلا ترى ذكر الرحمة والمغفرة إلّا مقرونا بشروط يقصر أغلب الناس عن نيلها ، ولذا كان بعض الأكابر يغشى عليه من استماعها ، بل مات بعضهم منه . وبالجملة ؛ المقصد الأصلي استجلاب هذه الأحوال إلى القلب والعمل به ، وإلّا فالمؤونة بتحريك اللسان خفيفة ، وحقّ التلاوة اشتراك اللسان والعقل والقلب فيها فاللّسان حظّه تصحيح الحروف بالترتيل ، وحظّ العقل إدراك المعاني ، وحظّ القلب تأثّره بالحالات المذكورة . ومنها : الترقّي ، أي يرقى إلى أن يسمع الكلام من اللّه لا من نفسه ، وله درجات ثلاث ، أدناها تقدير العبد قراءته واقفا بين يدي اللّه وهو ناظر إليه مستمع له ، فحاله حينئذ التملّق والتضرّع والسؤال ، وأعلى منه أن يرى بقلبه ربّه يخاطبه بألطافه يناجيه بإحسانه ، فمقاومه الهيبة والحياء والتعظيم
هامش
( 1 ) الفرقان : 32 .