تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 563

مساهمون:

ص٥٦٣
الدنيا ، بل عامله معاملتك معهم ، بل أنزله منزلة من يشاهدك وينظر إليك في صلاتك ممّن يتوقّع منك الصلاح ، فإنّك تخشع وتسكن فيها حتّى يكون لك موقع في نظره ، فما أقصر عرفان من خشع لغير اللّه ولم يخشع لجلاله وعظمته واطّلاعه على ضميره لعدم تدبّره في قوله تعالى :
الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ .
« 1 » وأمّا التوجّه بالتكبيرات فاستحضر عنده عظمته وجلاله وصغر نفسك في جنبهما وقصورك عن وظائف خدمته وإجلاله وتذكّر عظيم ملكه وعموم قدرته واستيلائه على العالمين . وإذا قلت : « لبّيك . . . إلى آخره » ، مثّل نفسك بين يديه . واعلم أنّه أقرب منك إليك يسمع نداءك ويستجيب دعاءك ، وأنّ خير الدنيا والآخرة بيده لا بيد غيره وأنّه خير محض لا شرّ في فعله ، وإذا قلت : « عبدك . . . إلى آخره » ، اعترفت له بالعبوديّة وأنّه ربّك وخالقك ومالكك وموجدك وبه قوامك ، ومنه مبدؤك وإليه معادك وأنت صنيعه فلا يترك إحسانك والرحمة عليك ، فتوكّل عليه في أمورك ، ولا تعتمد إلّا عليه في مقاصدك فتفطّن لهذه الحقائق وترقّ منها إلى ما ينفتح عليك من الأسرار والدقائق . وأمّا النيّة فقد عرفت معناها فاجتهد في خلوصها عن شوائب الأغراض فيفسد حقيقة إخلاصك ، وتذكّر عظم لطفه وامتنانه عليك ، حيث اذنك في المناجاة مع سوء أدبك وكثرة جنايتك ، وعظّم في نفسك قدر مناجاته ، وانظر مع من تناجي وما ذا تناجي وكيف تناجي ، وعنده ليغرق جبينك من عرق الخجالة ويرتعد فرائصك من الهيبة . وإذا كبّرت التحريمة تذكّر لمعناها وأنّه أكبر من أن يوصف أو من كلّ شيء وأن يدرك بالحواسّ ويقاس بالناس ، فانتقل منه أيضا إلى جلاله وعظمته واستناد ما سواه إليه بالإيجاد ، وكن موقنا بذلك حتّى لا يكذّب
هامش
( 1 ) الشعراء : 218 - 219 .