تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ .
« 1 » فيطالبون بمثقال ذرّة من الخطرات ، ولا ينجيهم منه إلّا المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات واللحظات والحركات ، ولذا أمرهم بالصبر والمرابطة ، فرابطوا أنفسهم أوّلا بالمشارطة ثم بالمراقبة ثم بالمحاسبة ثم بالمعاقبة ثم بالمجاهدة ثم بالمعاتبة ، فلا بدّ من شرح هذه المقامات الستّة :

[ في المشارطة ]

أمّا المشارطة : فكما أنّ التاجر يستعين بشريكه ويسلّم إليه مالا للتجارة ثم يحاسبه ، فكذا العقل تاجر في طريق الآخرة وربحه فلاح النفس ، وفلاحها بالأعمال الصالحة ، والعقل يستعين بها في التجارة ، وكما أنّ التاجر يشارطه ثم يراقبه ثم يحاسبه ثم يعاتبه أو يعاقبه فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أولا فيوظّف عليها الوظائف ويشترط عليها ويرشدها إلى ما فيه صلاحها ، ويجزم عليها ، ثم لا يغفل عن مراقبتها لحظة فإنّها لو أهملها لم ير منها إلّا الخيانة والتضييع ، ثم بعد الفراغ يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط ، فهذه تجارتها وربحها الفردوس الأعلى وهو أحسن الأرباح لكونه باقيا لا يفنى ، وسائرها فانية لا تبقى ، ولا خير في خير فان ، بل الشرّ الفاني أهون منه ، فإنّه إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائما ، وقد انقضى ، والثاني يبقى أسفه على انقطاعه دائما .
أشدّ الغم عندي في سرور * تيقّن عنه صاحبه انتقالا
فكلّ نفس جوهر نفيس لا عوض له ممكن أن يشترى به كنز لا يتناهى نعيمه أبدا ، فتضييعه أو صرفه إلى ما يؤدّي إلى الهلاك خسران عظيم لا تسمح به نفس عاقل ، فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضته فرّغ قلبه لمشارطة النفس وقال لها : « ما لي بضاعة إلّا العمر وبفنائه يفنى رأس المال ، فلا يمكن الربح وهذا يوم جديد ، أمهلني اللّه فيه وأنعم به عليّ ، ولو متّ تمنّيت أن
هامش
( 1 ) غافر : 17 .