تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
ينادي بأنّ مراد الغزالي ذلك استدلاله بأن الصبر على المحارم مما يقدر عليه كلّ مؤمن ، والصبر على البلاء مما لا ينال إلّا ببضاعة الصدّيقين لظهور أنّ الأدنى ليس كذلك فظهر وجه الجمع بحمد اللّه تعالى . بقي شيء وهو أنّ عدم كراهة المصيبة وتلقّيها بالمحبّة مما يشكل تصوّره ، لأنّه غير مقدور للانسان ، إذ كيف يمكن الحبّ لما يؤلم القلب ويتنفّر عنه الطبع ، فلا يمكن إناطة التكليف به أصلا . ويشهد لذلك أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مع كونه أشرف المقرّبين وأعظم الصدّيقين كان يقول في موت إبراهيم : العين تدمع والقلب يحزن . وكذا يظهر من أحوال سيّدنا الحسين عليه السّلام في كربلاء حصول الكراهة القلبية والبكاء من مشاهدة مصارع أولاده وإخوانه ومواليه وجزع أهل بيته وغير ذلك . فنقول : ليس المراد من المحبّة والكراهة في هذا المقام المحبّة والكراهة الذاتيان « 1 » ، إذ لا يتفوّه عاقل بأنّ موت الولد محبوب للطبع لذاته ، ضرورة كونه مكروها بالطبع حتى للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، إذ لم يكن منزّها عن الطبيعة ولوازم الجسمية . نعم صدوره من اللّه سبحانه بعد اليقين بأن ما يفعله محض الخير والمصلحة صار باعثا لحبّه ، فالحبّ للّه لا ينافي الكراهة بالطبع ، كما أنّ ضرب الحبيب وايذاءه محبوب للمحبّ لا لذاته ، بل لكونه صادرا عن الحبيب ، وشرب الدواء المرّ والحجامة محبوبان لفاعلهما لا لذاتهما ، بل للعلم باشتمالهما على المصلحة . هذا ، مع أن من وصل إلى درجة الاستغراق في بحار معرفة اللّه وانسه والاحتراق من أنوار جلاله وقدسه فأفنى نفسه في حضرته بكمال حبّه ومعرفته لم يبق له الالتفات إلى مقتضى طبيعته ، بل لم يبق له طبع يميل إلى
هامش
( 1 ) كذا ، والصحيح : الذاتيّين .