تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
داود البكاء والصراخ من الرأس حتى وعده اللّه أن يستوهبه منه في الآخرة . فهذا ينبهك أن الهبة من غير طيبة قلب لا تفيد ، وأن طيبة القلب لا تحصل إلا بالمعرفة ، فكذلك طيبة القلب لا تكون في الإبراء والهبة وغيرهما إلا إذا خلى الإنسان واختياره حتى تنبعث الدواعي من ذات نفسه لا أن تضطر بواعثه إلى الحركة بالحيل والالزام . ومن ذلك هبة الرجل مال الزكاة في آخر الحول من زوجته واتهابه ما لها لإسقاط الزكاة . فالفقيه يقول : سقطت الزكاة فإن أراد به أن مطالبة السلطان والساعي سقطت عنه فقد صدق فإن مطمح نظرهم ظاهر الملك وقد زال ، وإن ظن أنه يسلم في القيامة ويكون كمن لم يملك المال أو كمن باع لحاجته إلى البيع لا على هذا القصد فما أعظم جهله بفقه الدين وسر الزكاة فإن سر الزكاة تطهير القلب عن رذيلة البخل ، فإن البخل مهلك . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ثلاث مهلكات شح مطاع » وإنما صار شحه مطاعا بما فعله وقبله لم يكن مطاعا . فقد تمّ هلاكه بما يظن أن فيه خلاصه فإن اللّه مطلع على قلبه وحبه للمال وحرصه عليه ، وأنه بلغ من حرصه على المال أنه استنبط الحيل حتى يسد على نفسه طريق الخلاص من البخل بالجهل والغرور ، ومن ذلك إباحة اللّه مال المصالح للفقيه وغيره بقدر
شرح
( فهذا ينبهك أن الهبة من غير طيب قلب لا تفيد وأن طيبة القلب لا تحصل إلا بالمعرفة ، فكذلك طيبة القلب لا تكون في الإبراء والهبة وغيرهما إلا إذا خلى الإنسان واختياره حتى تنبعث الدواعي من ذات نفسه لا أن تضطر بواعثه إلى الحركة بالحيل والإلزام ، ومن ذلك هبة الرجل مال الزكاة في آخر الحول من زوجته وإتهابه ما لها لإسقاط الزكاة ) كما أفتى به أبو يوسف ، ( فالفقيه يقول : سقطت الزكاة ) بهذه الحيلة ( فإن أراد به أن مطالبة السلطان والساعي قد سقطت عنه فقد صدق ، فإن مطمح نظرهم ظاهر الملك وقد زال ، وإن ظن أنه يسلم في القيامة ويكون كمن لم يملك المال أو كمن باع لحاجته إلى البيع لا على هذا القصد ، فما أعظم جهله بفقه الدين وسر الزكاة ) وقد تقدمت الإشارة إليه في كتاب العلم وزاد المصنف هنا فقال : ( فإن سر الزكاة تطهير القلب عن رذيلة البخل فإن البخل مهلك ) كما ورد به الخبر ( قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ثلاث مهلكات شح مطاع ) وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه » وقد تقدم مرارا ( وإنما صار شحه مطاعا بما فعله ) من الحيلة ( وقبله لم يكن مطاعا ) فمجرد الشح إذا كان موجودا في النفس لا يكون مهلكا لأنه من لوازم النفس مستمد من أصل جبلتها الترابي ، وفي التراب قبض وإمساك ، وإنما يكون مهلكا إذا كان مطاعا أي ينقاد له ، ( فقد ثم هلاكه بما يظن أن فيه خلاصه فإن اللّه مطلع على قلبه وحبه للمال وحرصه عليه ، وأنه بلغ من حرصه على المال أن استنبط الحيل حتى يسد على نفسه طريق الخلاص من البخل بالجهل