تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
المحمودة يمكن أن يدل على طريق الامتحان والتجربة ، وهو أن يدعي مثلا حب اللّه فما الذي تركه من محاب نفسه لأجله ؟ ويدعي الخوف فما الذي امتنع منه بالخوف ؟ ويدعي الزهد فما الذي تركه مع القدرة عليه لوجه اللّه تعالى ؟ ويدعي الانس باللّه فمتى طابت له الخلوة ومتى استوحش من مشاهدة الخلق لا بل يرى قلبه يمتلئ بالحلاوة إذا أحدق به المريدون وتراه يستوحش إذا خلا باللّه تعالى . فهل رأيت محبا يستوحش من محبوبه ويستروح منه إلى غيره ؟ فالأكياس يمتحنون أنفسهم بهذه الصفات ويطالبونها بالحقيقة ولا يقنعون منها بالتزويق بل بموثق من اللّه غليظ ، والمغترون يحسنون بأنفسهم الظنون وإذا كشف الغطاء عنهم في الآخرة يفتضحون بل يطرحون في النار فتندلق أقتابهم فيدور بها أحدهم كما يدور الحمار بالرحى كما ورد به الخبر لأنهم يأمرون بالخير ولا يأتونه وينهون عن الشر ويأتونه ، وإنما وقع الغرور لهؤلاء من حيث أنهم يصادفون في قلوبهم شيئا ضعيفا من أصول هذه المعاني وهو حب اللّه والخوف منه والرضا بفعله ، ثم قدروا مع ذلك على وصف المنازل العالية في هذه المعاني فظنوا أنهم ما قدروا على وصف
شرح
الصفات المحمودة يمكن أن يدل على طريق الامتحان والتجربة ، وهو أن يدعي مثلا حب اللّه فما الذي تركه من محاب الدنيا ) وملاذها ( لأجله ؟ ويدعى الخوف فما الذي امتنع منه بالخوف ؟ ويدعى الزهد ) في الدنيا ( فما الذي تركه مع القدرة عليه لوجه اللّه تعالى ؟ ويدعى الأنس باللّه فمتى طابت له الخلوة ومتى استوحش من مشاهدة الخلق لا بل يرى قلبه يمتلئ بالحلاوة إذ أحدق به المريدون ) وهو يتكلم عليهم وهم له ناظرون ، ( وتراه يستوحش إذا خلا باللّه تعالى ، فهل رأيت محبا آنسا يستوحش من محبوبه ويستروح منه إلى غيره ؟ فالأكياس يمتحنون أنفسهم بهذه الصفات ويطالبونها بالحقيقة ولا يقنعون منها بالتزويق ) الظاهر ، ( بل بموثق من اللّه غليظ ) أي شديد ، ( والمغترون يحسنون بأنفسهم الظنون فإذا كشف الغطاء عنهم في الآخرة يفتضحون ) على رؤوس الأشهاد ( بل يطرحون في النار فتندلق أقتابهم ) أي مصارينهم ( فيدور بها أحدهم كما يدور الحمار بالرحى كما ورد به الخبر لأنهم يأمرون بالخير ولا يأتونه وينهون عن الشر ويأتونه ) . وذلك فيما أخرجه أحمد والشيخان من حديث أسامة بن زيد : « يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقي في النار فتندلق أقتابه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون : يا فلان ما أصابك ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ فيقول : بلى قد كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه » . وقد تقدم قريبا ورواه ابن النجار من حديث أبي أمامة وفيه قال : « إني كنت أخالف ما كنت أنهاكم » . وقد تقدم أيضا . ( وإنما وقع الغرور لهؤلاء من حيث أنهم يصادفون في قلوبهم شيئا ضعيفا من أصول هذه المعاني وهو حب اللّه والخوف منه والرضا بفعله ، ثم قدروا مع