ولذلك قال الحارث بن جزء الزبيدي صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : يعجبني من القراء كل طليق مضحاك ، فأما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بعبوس يمن عليك بعلمه ، فلا أكثر اللّه في المسلمين مثله . ولو كان اللّه سبحانه وتعالى يرضى ذلك لما قال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[ الشعراء : 215 ] وهؤلاء الذين يظهر أثر الكبر على شمائلهم فأحوالهم أخف حالا ممن هو في الرتبة الثالثة وهو الذي يظهر الكبر على لسانه حتى يدعوه إلى الدعوى والمفاخرة والمباهاة وتزكية النفس وحكايات الأحوال والمقامات والتشمر لغلبة الغير في العلم والعمل .
أما العابد ، فإنه يقول في معرض التفاخر لغيره من العباد . من هو وما عمله ومن أين زهده ؟ فيطول اللسان فيهم بالتنقص ، ثم يثني على نفسه ويقول : إني لم أفطر منذ كذا
شرح
اللّه وأتقاهم ، ( وكان ) مع ذلك ( أوسعهم خلقا وأكثرهم بشرا وتبسما وانبساطا ) كل ذلك تقدم في كتاب أخلاق النبوة . ( ولذلك قال الحرث بن جزء الزبيدي صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ) هكذا في سائر نسخ الكتاب وهو خطأ . والصواب عبد اللّه بن الحرث بن جزء وهو الذي له صحبة وتمام نسبه بعد جزء بفتح الجيم وسكون الزاي هو ابن عبد اللّه بن معدي كرب بن عمرو بن عصم بن عمرو بن عريج بن عمرو بن زبيد الزبيدي حليف أبي وداعة السهمي ، وابن أخي محمية بن حزء الزبيدي قال البخاري : له صحبة سكن مصر ، روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أحاديث حفظها عنه المصريون ، ومن آخرهم يزيد بن أبي حبيب قال ابن يونس : مات سنة ست وثمانين بعد أن عمى وكانت وفاته بسفط القدور قاله الطحاوي وهو آخر من مات من الصحابة بمصر وسفط القدور قرية بمصر من المتوفية تعرف الآن بسفط عبد اللّه ، وقد زرت مقامه بها مرارا ، والعامة تزعم أنه عبد اللّه بن سلام وهو خطأ . ( يعجبني من القراء ) أي العلماء ( كل طليق ) الوجه ( مضحاك ) أي كثير الضحك ، ( فأما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بعبوس يمن عليك بعلمه فلا أكثر اللّه في المسلمين مثله ، ولو كان اللّه يرضى ذلك لما قال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )وقد أورد ابن يونس في تاريخ الصحابة الذين دخلوا مصر في ترجمة عبد اللّه بن الحرث أنه قال : ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . رواه من طريق ابن لهيعة : حدثنا عبيد اللّه بن المغيرة قال : سمعت عبد اللّه بن الحرث يقول فساقه .
( وهؤلاء الذين يظهر التكبر على شمائلهم وأحوالهم أخف حالا من هو في الرتبة الثالثة ، وهو الذي يظهر التكبر على لسانه حتى يدعوه إلى الدعوى والمفاخرة والمباهاة وتزكية النفس وحكاية الأحوال والمقامات والتشمر لغلبة الغير في العلم والعمل ) .
( أما العابد ، فإنه يقول في معرض التفاخر لغيره من العباد من هو وما عمله ومن أين زهده ؟ فيطول اللسان فيهم بالتنقيص ) والتقصير ، ( ثم يثنى على نفسه ويقول : إني لم أفطر منذ كذا وكذا ) مدة ( ولا أنام الليل ) إلا القليل ( واختم القرآن في كل يوم وفلان ينام