تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
وحدّ المراء هو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما في اللفظ وإما في المعنى وإما في قصد المتكلم وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض ، فكل كلام سمعته فإن كان حقا فصدق به وإن كان باطلا أو كذبا ولم يكن متعلقا بأمور الدين فاسكت عنه . والطعن في كلام الغير تارة يكون في لفظه بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو من جهة اللغة أو من جهة العربية أو من جهة النظم والترتيب بسوء تقديم أو تأخير ، وذلك يكون تارة من قصور المعرفة وتارة يكون بطغيان اللسان ، وكيف ما كان فلا وجه لإظهار خلله . وأما في المعنى : فبأن يقول ليس كما تقول ، وقد أخطأت فيه من وجه كذا وكذا .
شرح
قيل لميمون بن مهران مالك لا يفارقك أخ لك عن قلى فذكره . وأخرجه الطبراني من طريق أبي جعفر النفيلي ، وأبو نعيم في الحلية من طريق علي بن حجر كلاهما عن غياث بن بشير به . ( وما ورد في ذم المراء والجدال كثير ) فمن ذلك ما رواه كعب بن مالك رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « من طلب العلم ليجادل به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله اللّه النار » رواه الترمذي وضعفه ، وابن أبي الدنيا والطبراني وعن حريث بن عمرو رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تجار أخاك ولا تشاره ولا تماره » أخرجه ابن أبي الدنيا . وقال مجاهد : لا تمار أخاك ولا تفاكهه يعني المزاح . وقال لقمان لابنه : يا بني لا تعلم العلم تباهي به العلماء أو تماري به السفهاء أو ترائي به في المجالس . وقال محمد بن واسع : رأيت صفوان ابن محرز في المسجد وقريبا منه ناس يتجادلون فرأيته قام فنفض ثيابه وقال : إنما أنتم حرب ، وسمع الربيع بن خثيم رجلا يلاحي رجلا فقال مه لا تلفظ إلا بخير ولا تقل لأخيك إلا ما تحب أن تسمعه من غيرك فإن العبد مسؤول عن لفظه محصي عليه ذلك كله أحصاه اللّه تعالى . وقال إبراهيم ابن مهاجر : سمعت عمر بن عبد العزيز يقول : إذا سمعت المراء فاقصر . ( وحد المراء كل اعتراض في كلام الغير بإظهار خلل فيه ) وركاكة ونقص ( إما في اللفظ ) المسوق ( وإما في المعنى ) المفهوم من ذلك اللفظ ، ( وإما في قصد المتكلم ) فيقول : اللفظ والمعنى صحيحان ولكن قصدك غير صحيح ، ( وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض فكل كلام سمعته فإن كان حقا فصدق به ، وإن كان باطلا أو كذبا ولم يكن متعلقا بأمور الدين فاسكت عنه ) ولا تخض فيه ، ( والطعن في كلام الغير تارة يكون في لفظ بإظهار خلل فيه من جهة النحو ) بأن يكون التركيب مخالفا الأقوال النحاة ، ( أو من جهة اللغة ) بأن يكون اللفظ المسوق غير مستعمل عند أهلها ، ( أو من جهة العربية ، أو من جهة النظم والترتيب بسوء تقديم ، أو تأخير ، وذلك يكون تارة من قصور المعرفة ) أي تكون معرفة صاحب ذلك الكلام قاصرة ، ( وتارة يكون بطغيان اللسان ) وتارة يكون بطغيان القلم وكل ذلك من عوائد البشر ، ( وكيفما كان فلا وجه لإظهار خلله . وأما في المعنى فبأن يقول : ليس كما تقول وقد أخطأت فيه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 173 | مرتضى الزبيدي